ودلّت هذه الآية على أنّ المعنيّين بالعلاج ؛ كانوا في حالة ضرّ وبؤس ، وربّما كان هذا هو الجوع الذي نزل بهم ، فأكلوا « العلهز » « 1 » .
فالمعنى : ولو رحمناهم فأزلنا عنهم ما يعانون من ضرّ ؛ لما تركوا قبائحهم ، ولما تابوا إلى بارئهم ، بل لثبتوا ملازمين كفرهم غارقين في طغيانهم الغالين فيه ، ولاستمرّوا يعمهون ويتحيّرون فيما يختارون من مسالك يرضون بها أهواءهم وشهواتهم ، كالعمي الّذين يسيرون في أرض وعرة لا مسالك فيها تهديهم .
الصّفة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ
( 76 ) :
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ :
أي : فما ذلّوا ولا خضعوا لربّهم .
وَما يَتَضَرَّعُونَ :
أي : وما يتذلّلون وما يخضعون داعين أن يزيل اللّه عنهم ما أنزل بهم من عذاب .
يصف اللّه عزّ وجلّ حالة أخذ فيها المعنيّين بالعلاج بعذاب ليس بشديد ، فما كان منهم تذلّل لربّهم ولا تضرّع له بالدّعاء ، لأنّهم يتصوّرون أنّ ما نزل بهم إنّما هو من عوارض الدّهر وتقلّباته ، وليس تذكيرا لهم من ربّهم الّذي لا يجري شيء في الكون إلّا بأمره أو بإذنه وعلمه .
الصّفة الرابعة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
( 77 ) :
مُبْلِسُونَ :
أي : ساكتون ، يائسون ، نادمون .
حَتَّى :
ابتدائيّة . وهي حرف يدخل على الجمل الاسميّة والفعليّة .
هامش
( 1 ) العلهز : الدّم المجمّد يخلط بالوبر ويشوى على النّار .