تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ
( 18 ) . صار من البدهيّات العلميّة أنّ الماء ينزل من السّحاب بعد تبخّره من مياه الأرض ، وتجمّعه سحبا ، ومعلوم في اللّغة أنّ السّحاب يطلق عليه بالنّسبة إلى سكّان الأرض سماء ، لأنّ كلّ ما علا فأظلّ يطلق عليه لفظ : « سماء » . وهذه الظّاهرة من آيات اللّه العجيبة في كونه ، وهي من نعمه الجليلة على عباده ، وقد تكرّر التّنبيه عليها في القرآن الكريم . وقد جاء في هذه الآية الإعلام بثلاث قضايا ذات شأن في المفهومات الدّينيّة : القضيّة الأولى : أنّ حكمة اللّه اقتضت أن ينزل الماء في كلّ موقع من الأرض بقدر سبق به تقدير اللّه وقضاؤه ، ملائما لحكمة ابتلائه عباده ، وإنعامه عليهم . بقدر : أي : بمقدار محدّد ، وتدبير حكيم . القضيّة الثّانية : أنّه - جلّ جلاله وسمت حكمته - أسكنه في الأرض ، في تجاويف في باطنها ، وعلى سطحها في بحيرات عظيمات وأنهار كبيرة ، تسهّل على النّاس الانتفاع به في منافع كثيرة ، مع اختزانه في باطن الأرض ، وإلهام النّاس وسائل استخراجه منها . القضيّة الثّالثة : التّنبيه المؤكّد على أنّه - جلّ جلاله وعظمت قدرته - لعظيم القدرة على أن يذهب بالماء ، فلا يستطيع النّاس له طلبا ، مع شدّة حاجتهم في حيواتهم إليه ، فقال تعالى :
. . . وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ
( 18 ) . فإذا أذهب اللّه عزّ وجلّ من الأرض ماءها ؛ تعرّض الأحياء فيها للهلاك ، وهذا أمر يسير على اللّه الحكيم العليم القدير .