وفيها بيان ربّانيّ عن حالتهم الّتي بلغوا بها الدّركة الميؤوس من إصلاحهم معها عن طريق إراداتهم الحرّة ، وبيان عن كون الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم مثل الرّسل من قبله في الوحي إليه ، وفي بشريّته ، وأنّ اللّه سينصره كما نصر رسله عليهم السّلام من قبله ، وأهلك الكفرة المسرفين في كفرهم وعنادهم .
التدبر التحليلي :
قول اللّه تعالى :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
( 1 ) :
المراد بالنّاس في هذه الآية فيما يظهر : أئمّة الكفر والشّرك في مكّة إبّان التّنزيل ، بدليل وصفهم في هذه الآية وفي الآيتين بعدها ؛ بأوصاف تكشف أنّهم هم المرادون .
والمراد باقتراب حسابهم فيما ظهر لي ؛ اقتراب تنفيذ محاسبتهم على جرائمهم ، وإصرارهم بعناد على الكفر وجحود الحقّ ، وتنفيذ ما يتبع محاسبتهم من القضاء بتعذيبهم وإهلاكهم ، لبلوغهم دركة لا يستجيبون معها لدعوة الحقّ الرّبّانيّة عن طريق إراداتهم الحرّة مهما أمهلوا ، فقد أمهلوا إمهالا طويلا منذ بدء البعثة المحمّديّة حتّى نزول هذه السّورة ، فكان من الحكمة إنذارهم باقتراب حسابهم والحكم عليهم بالتّعذيب والإهلاك في الحياة الدّنيا ، وقد تحقّق هذا فعلا في غزوة بدر الّتي قتل فيها صناديد أئمّة الشّرك والكفر العناديّ الجحودي للحقّ ، على الرّغم من ظهور أدلّته ، ووضوح براهينه ، وسقوط ذرائع المشركين ، وافتضاح إصرارهم على الباطل .
وقد وصف اللّه عزّ وجلّ حال هؤلاء المعنيّين بعنوان النّاس بعدّة صفات ، أوّلها : قوله تعالى :
. . . وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
( 1 ) : أي :
اقترب لهؤلاء حسابهم ولواحقه ، باقتراب الزّمن الّذي يتحقّق فيه ، فهم إبّان