حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ :
أي : جادلتم جدالا بالباطل فيما لكم به أصل علم يسوّغ لكم أن تجادلوا بشأنه ، متّخذين ذرائع تمكّنكم من أن تراوغوا بها ، مبتعدين عن الحقّ ، وأن تضعوا عليها طلاء من زخرف القول ، وأن تؤوّلوا بها نصوص التّوراة والإنجيل كما يحلو لكم ويحقّق لكم ما تريدون من متاعات الحياة الدّنيا ، وزينتها .
فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ؟ ! :
أي : فلم تتّخذون الجدال وتقديم الحجج الباطلة ديدنكم ، حتّى في القضايا الّتي تجهلونها وليس لكم بها علم مطلقا ، وهي بعيدة عمّا يهمّكم في حياتكم ، فصار الجدال والاحتجاج بالباطل صفة من الصّفات الملازمة لكم ، وعادة من العادات الّتي تجدون في ممارستها لذّة من لذّاتكم ، فأنتم تلهون بالجدال وتلعبون ، لا تقصدون به إحقاق حقّ ولا إبطال باطل ، بل قد يسرّكم به أن تبطلوا حقّا ، وأن تحقّوا باطلا ؟ ! ! . إنّكم تجعلون المحاججة بالباطل ملهاة من ملاهيكم ، على خلاف ما عليه أهل العقل والرّشد والفضل والحكمة .
. . . وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 66 ) : أي : واللّه يعلم كلّ شيء ، فيعلم ما تضمره نفوسكم ، وما تستخفون به عن أعين النّاس ، وما تقصدونه من جدليّاتكم بالباطل ، وأنتم لا تعلمون مقدار ما أخفاه لكم من عذاب أليم ، ينزله بكم يوم الدّين جزاء كفركم .
وبعد هذا البيان التّعليميّ للّرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولكلّ داع إلى اللّه من أمته ، توجّه اللّه عزّ وجلّ للمصرّين على كفرهم من أهل الكتاب ، فقال تبارك وتعالى :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 67 ) :
أي : إنّ اللّه ربّكم المحيط بكلّ شيء علما ينبّئكم بأنّ إبراهيم - عليه السّلام - الّذي اجتباه واصطفاه ، وجعل في ذرّيّته من بعده النّبوّة