تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
خاضعا :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ،
وطمأن الابن أباه بأنّه سيكون طائعا مستسلاما مستجيبا لأمر اللّه ، وبأنّه سيكون صابرا من أهل الإحسان الصّابرين ، إذ كان قد أحسّ من نفسه الاستعداد للاستسلام التّامّ ، ولكن علّق أمر صبره على مشيئة اللّه ، التزاما بالواجب الدّينيّ في الوعد بعمل مستقبليّ ، واستعانة باللّه ، وتوكّلا عليه ، حتّى يمدّه بالصّبر المطلوب في مثل هذا الموقف العصيب ، فقال لأبيه :
. . . سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
( 102 ) ، وقدّم التّعليق على مشيئة اللّه عزّ وجلّ على الوعد بالصّبر لأنّ التعليق على مشيئة اللّه مرتبط مباشرة بالإيمان ، أمّا الصّبر فهو مطلوب في السّلوك من مرتبة الإحسان . وحين اطمأنّ الأب « إبراهيم » إلى أنّ الابن « إسماعيل » عليهما السّلام سيكون مستسلاما كامل الاستسلام لقيام أبيه بذبحه طاعة لأمر اللّه ، وأسلام « إبراهيم » عليه السّلام أمره لربّه ، كابحا كلّ عواطفه نحو ولده ، حينئذ أقدم الأب للقيام بذبح ولده ، واستجاب الابن للأمر ، وباشر كلّ منهما ما هو مطلوب منه ، عند هذه اللّحظة الحرجة جاء الأمر الرّبّانيّ بالتّوقّف عن التّنفيذ ، قال اللّه عزّ وجلّ :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
( 103 ) : أي : فحين أسلام الأب والابن أمرهما للّه عزّ وجلّ ، طاعة له ، وامتثالا لأمره . وتلّه للجبين : أي : وألقى الأب ابنه على عنقه وخدّه بشدّة ، وجعل جبينه ، أي : أحد جانبي جبهته ؛ على الأرض ، وقبض على مقبض سكّينه ليذبحه . وإذ أتمّا امتحانهما بنجاح باهر ؛ كان من الحكمة الرّبّانيّة أن يوقف اللّه التّنفيذ ، فلم يكن في تقدير اللّه وقضائه أن يذبح إبراهيم ولده