فرجعوا إلى عمق أنفسهم يحاكمونها ، إذ اكتشفوا أنّ آلهتهم لا تتكلّم ، ولا تجيب على أسئلة عابديها ، ولم تستطع أن تدفع عن أنفسها التكسير والتّحطيم ، فقال بعضهم لبعض ، أو قالوا لأنفسهم في محاكمة داخليّة بينهم وبين أنفسهم : إنّكم أنتم الظّالمون باتّخاذ آلهة لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ، ولا تستطيع أن تحمي أنفسها ، ممّن يريد تكسيرها وتحطيمها .
لكنّهم بعد هذه المحاكمة الدّاخليّة لأنفسهم ؛ رجعت عوامل كبرهم ، وانتصارهم لسوابق اختياراتهم وتقاليدهم ؛ تنفخ في صدورهم ، فانقلبت مفاهيمهم الّتي قوّمها التّنبيه الإبراهيميّ ، فنكسوا على رؤوسهم .
وهنا يأتي موقع قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) أيضا :
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
( 65 ) :
أطلقت عبارة :
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ
على سبيل الاستعارة ، للدّلالة بها على انقلاب مفاهيمهم إلى ما كانت عليه ، قبل أن يقوّمها ويجعلها سويّة معتدلة غير منكّسة ؛ تنبيه إبراهيم عليه السّلام لها .
التّنكيس : قلب الشّيء ، وجعل أعلاه أسفله ، أو جعله يميل شيئا فشيئا إلى أسفله .
نكسوا على رؤوسهم : أي : قلبوا فجعلت رؤوسهم في مواضع أقدامهم ، وجعلت أقدامهم غاية ارتفاع أجسادهم إلى الأعلى ، على عكس الوضع الطّبيعيّ للأجساد .
شبّه انقلاب مفاهيمهم إلى الباطل بحالة تنكيسهم على رؤوسهم ، واستعير هذا التّنكيس للدّلالة على انقلاب مفاهيمهم إلى الباطل .
ودلّ العطف بحرف العطف « ثمّ » على أنّهم بقوا مدّة على حالة