تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
نهاه عنه ، فأتبع كلامه بقوله :
. . . وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
( 46 ) أي : واهجرني مبتعدا عنّي زمنا طويلا . وشعر إبراهيم عليه السّلام بتنازل حدّة غضب أبيه ، وظنّ أنّه إذا استجاب لطلبه فهجره مدّة طويلة من الزّمان ، تراجع عن إصراره وعناده ، وصار ألين وأطوع وأكثر تقبّلا للحقّ ، فقال لأبيه ما جاء في البيان القرآنيّ التّالي :
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
( 48 ) : في هاتين الآيتين بيان أربع قضايا وجدها إبراهيم عليه السّلام ملائمة وحكيمة في هذا الموقف : القضيّة الأولى : قول إبراهيم عليه السّلام لأبيه
سَلامٌ عَلَيْكَ :
أي : أعلن مفارقتي لك استجابة لأمرك ، فأقول لك : سلام عليك مكرّما مبجّلا . القضيّة الثانية : قول إبراهيم عليه السّلام لأبيه :
. . . سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
( 47 ) : في هذه العبارة وعد من إبراهيم عليه السّلام لأبيه ، بأنّه سيسأل اللّه ربّه أن يغفر له . وقد وفّى إبراهيم عليه السّلام بوعده لأبيه ، فسأل ربّه أن يغفر له ، إذ كان يرجو أن يلين قلبه ، وينبذ الشّرك ، ويؤمن بالدّين الحقّ ، فلمّا تبيّن له أنّ أباه مقيم على كفره بإصرار وعناد ، وأنّه عدوّ للّه تبرّأ منه ، إذ لا يجوز لمؤمن باللّه أن يستغفر لمشرك ، ولو كان ذا قربى .
إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا :
أي : إنّ ربّي كان لطيفا بي ، مكرما لي ، ذا عناية خاصّة بتحقيق مطالبي ، والإحسان إليّ .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 140 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني