فأبان إبراهيم عليه السّلام لأبيه أنّ عبادة الأوثان ، هي في الحقيقة عبادة للشّيطان الّذي أوحى بها ، وأمر أولياءه من الإنس بتزيين عبادتها ، وعبادة الأوثان تجرّ إلى ضلالات كثيرات ، وشرور مفسدات للأفراد والمجتمعات .
وأبان إبراهيم عليه السّلام لأبيه أنّ الشّيطان كان شديد العصيان للرّحمن ، وشديد التّمرّد على أوامره ونواهيه ، منكرا إلهيّته الّتي تقتضيها عقلا ربوبيّته .
وذكر من أسماء اللّه الحسنى اسمه الرّحمن ، ليحرّك وجدانه وعاطفته الخيّرة نحو ربّه ، الّذي يرحمه فيمدّه بالحياة والرّزق والصّحّة ، وبكثير من محابّه ، والّذي ترجى رحمته دواما ، والّذي يغفر للتّائبين إليه ، ويعفو عنهم برحمته .
العصيّ : هو الشّديد العصيان . وهذا اللفظ من صيغ المبالغة .
وبعد هذا الأسلوب التّنفيريّ من عبادة الشّيطان ، رأى إبراهيم عليه السّلام أن يحذّر أباه من عذاب الرّحمن المعجّل ، بسبب شركه ، مع احتفاظه بالأسلوب الاستعطافيّ الرّفيق ، فقال له :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
( 45 ) :
أي : يا أبت إنّي أخاف من طول إصرارك على الشّرك ، أن يمسّك في حياتك الدّنيا عذاب من الرّحمن ، فتكون بذلك من المحكوم عليهم بأنّهم من أولياء الشّيطان وجماعته وحزبه ، الّذين يمسّهم في الدّنيا قبل الآخرة عذاب عقابيّ معجّل ، قبل العذاب العقابيّ الأكبر يوم الدّين .
دلّ على أنّ مراده العذاب المعجّل فعل :
أَخافُ
المشعر بالظّنّ ، وفعل :
أَنْ يَمَسَّكَ
دون : « أن ينزل بك » واستعمال اسم اللّه :
الرَّحْمنِ
دون اسمه : « المنتقم الجبّار » .