وقد سبق تدبّر هذه الآية في موضعها من سورة ( يس ) وجاء في تدبّرها أنّ اللّه عزّ وجلّ اختار أن يجعل أجناس خلقه ، وأنواعهم ، وأصنافهم ، وأفرادهم جميعا خاضعة لنظام الزّوجيّة ، لئلّا يشارك اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - في صفة الأحديّة أحد .
الفلك : مركب البحر ، يطلق على الواحد ، والاثنين والجمع ، ويذكّر ويؤنّث ، فيقال : هي الفلك ، وهو الفلك .
الأنعام : هي الأموال الراعية ، وهي الإبل ، والبقر ، والغنم ، ولفظ « الأنعام » يذكّر ويؤنّث ، والمركوب من الأنعام الإبل ، وهي في الصحراء بمثابة الفلك في البحر . وقد قيل : « الإبل سفائن البرّ » .
*
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ :
أي : لتكونوا راكبين باعتدال واستقامة على ظهور ما تركبون من فلك وأنعام ، وفيما دون ظهور الفلك إذا كانت لها بطون يستوي عليها الرّاكبون باعتدال واستقامة ، وهذا يفهم باللّزوم الذّهني .
*
. . ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ :
أي : ثمّ إذا استويتم على ما تركبون من الفلك والأنعام ، وسار بكم آمنين ، تذكرون نعمة ربّكم عليكم ، إذ سخّر لكم أن تحملكم وأحمالكم سفن البحر بنظام متقن عجيب يجعلها تجري في الماء ، فتصلون برحمة اللّه إلى بلاد لم تكونوا بالغيها إلّا بشقّ الأنفس ، وسخّر لكم أن تحملكم الإبل في الفيافي وتحمل أحمالكم كذلك ، ويقاس عليهما سائر المركوبات .
*
. . وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 ) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
( 14 ) :
التّسخير : التّذليل والتّطويع لعمل ما أو أمر ما ، وجعل الشّيء مطاوعا لما يراد منه ضمن قانون تسخيره ، وهذه المطاوعة قد تكون بالطّبع ، كتسخير الأشياء الّتي لا حياة لها ، وقد تكون بالقوّة مع التّذليل ،