وقد اعترفنا بذنبنا وكفرنا حين حاسبتنا أفرادا ، فما منّا اليوم شهيد يشهد بأنّ لك شريكا أو شركاء .
ويظهر أنّ اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - ينادي المشركين على رؤوس أهل الموقف ، لإعلام الجميع بأنّ أحكامه الإفراديّة على المشركين بالكفر وبالخلود في عذاب النّار ، قد كانت مطابقة لقانون الجزاء العامّ ، فلم يظلم اللّه أحدا .
وجاء التّعبير ب
قالُوا
استقطاعا من أحداث المستقبل ، للإشعار بأنّ هذا الخبر حقّ ، فكأنّه حدث وقع ومضى .
والاستقطاع من الماضي أو المستقبل أحد الأساليب القرآنيّة البديعة .
ويقول اللّه عزّ وجلّ تعقيبا على هذه اللّقطة من مشاهد يوم القيامة :
*
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ :
أي : وغاب عنهم الشّركاء الّذين كانوا قد اتّخذوهم شركاء للّه افتراء عليه ، في الحياة الدّنيا حياة الامتحان ، من قبل أن يحاسبوا على كفرهم يوم الدّين ، إذ كانوا يعبدون شركاءهم من دون اللّه .
*
يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ :
أي : يعبدون من قبل يوم الحساب ، أطلق الدّعاء على العبادة في كثير من النصوص القرآنية .
ويقول اللّه عزّ وجلّ أيضا في التّعقيب :
وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ :
أي : وظنّوا ظنّا راجحا أنّهم لا خلاص لهم من العذاب الّذي حكم اللّه عليهم به خلودا في جهنّم ، مع طمعهم بأن يرحمهم اللّه بالتّجاوز أو بالتّخفيف ، وهذا هو الّذي يجعلهم وهم في دار العذاب يسألون الخروج منها أو التخفيف من عذابها .
لم أجد الظّنّ في النّصوص القرآنيّة مستعملا بمعنى اليقين ، على خلاف المشهور على ألسنة طلّاب العلوم الإسلاميّة ، وفي كتابات كثير من المؤلفين .
وبهذا انتهى تدبّر الدّرس التاسع من دروس سورة ( فصّلت ) .
والحمد للّه على معونته ، ومدده ، وتوفيقه ، ومنّته ، وفتحه .