*
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ :
أي : وجعلنا الحديد ليّنا في يديه ، قالوا :
فكان كالعجين ، أو الشّمع في يديه وقت العمل به ، ثمّ يعود الحديد إلى صلابته .
أقول : هل المراد بإلانة الحديد له تغيير خصائص الحديد الصّلبة له حال عمله فيه ، أم إعطاؤه القوّة الجسديّة العظيمة الّتي يليّن بها الحديد ، أم إعطاؤه طاقة إشعاعيّة تنطلق من جسده لها خصوصيّة إلانة الحديد ؟ ؟ .
إنّنا لا نملك دليلا يحدّد واحدا منها ، ولعلّ آخرها مع قوّته الجسديّة المعروفة هي المرادة ، إذ هي الأقرب لما نعرف من تجارب العلوم ، وخصائص الطّاقات الإشعاعيّة ، واللّه أعلم .
وإذ ألان اللّه عزّ وجلّ لداود عليه السّلام الحديد ، أمره بأن يستخدم ذلك في صناعة الدّروع الواقية من ضربات السّيوف والرّماح والنّبال وغيرها في الحرب .
ونلاحظ في أمر اللّه عزّ وجلّ داود بصناعة الدّروع ، أنّه جلّ جلاله شاء التّوجيه للوقاية من شرور القتال ، إذ لم يأمر داود بصناعة السّيوف والرّماح والنبال ونحوها ، والسّبب في هذا على ما يظهر أنّ النّاس يتفنّنون في صناعة أدوات القتال برغبة التّسلّط ، والعلوّ في الأرض ، واللّه عزّ وجلّ جعل الدّار الآخرة الّتي فيها أنواع السّعادات كلّها ، للّذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادا .
أمّا أمر اللّه عزّ وجلّ في الرّسالة الخاتمة الّذين آمنوا بأن يعدّوا ما يستطيعون من قوّة ، فالغاية منه الحماية والإرهاب المعنويّ ، لا أن يكون وسيلة للعلوّ في الأرض ، ولممارسة الفساد والإفساد في الأرض .
والدّروع الّتي علّم اللّه داود عليه السّلام ابتكارها وصناعتها هي دروع الزّرد ، الّتي تلبس كالثّياب ، وقد كانت الدّروع قبله صفائح من حديد .