ما قيمة النّفي الذي لا دليل يقترن به ، تجاه الإثبات الّذي يقترن بحجج ترجّحه ، بل ببراهين تجعله حقّا مقطوعا به ، ولا يعتريه شكّ ما ؟ !
قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته ، معلّما ما يردّ به على نفاة السّاعة بغير دليل :
*
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
( 3 ) :
سبق في نجوم التّنزيل بيان الأدلّة العقليّة الّتي تثبت البعث ويوم الدّين ، بعد ظروف الحياة الدنيا كلّها ، وتردّ على تعجّب المنكرين ، وعلى شبهاتهم بشأن البعث ، وقد جاء هذا في عدّة سور سبق تدبّرها .
وفي مواجهة إصرار المنكرين على النّفي المجرّد ، اقتضت الحكمة مقابلتهم بإسقاط مقولتهم الباطلة ، وتأكيد ضدّها بالقسم بالرّبّ المهيمن بصفات ربيّته على عباده ، فجاء في التّعليم :
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ .
*
بَلى :
أي : مقولتكم كاذبة ، مرفوضة وساقطة ، فليس الحقّ والواقع ما تدّعون ، بل الحقّ الّذي سوف يكون حتما هو نقيضه ، وأقسم لكم بربّي الّذي هو ربّكم وربّ كلّ شيء في الكائنات سواه
لَتَأْتِيَنَّكُمْ
ساعة البعث ليوم الدّين ، الّذي سوف تلاقون فيه محاسبتكم ، وفصل قضاء اللّه فيكم ، وجزاءكم على ما أسلفتم في رحلة امتحانكم في الحياة الدّنيا .
ولا تتصوّروا أنّ أعمالكم خافية على ربّكم ، بل هي معلومة له صغارها وكبارها ، سرّها وعلنها ، باطنها وظاهرها .
كيف يخفى عليه ما كسبتم وما تكسبون من أعمال ظاهرة في الجوارح ، وباطنة في السّرائر ، وهو عالم الغيب كلّه لا يبعد ولا يخفى عليه مثقال ذرّة في السّماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذرّة ولا