لقد سبق في تقدير اللّه وقضائه ، تعيين المكان الّذي يكون فيه موت النّفس الّتي قضى عليها الموت ، مع تعيين الزّمان الّذي يكون موتها فيه ولئن أعلم اللّه نفسا بأجلها الّذي ستموت فيه ، فإنّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - أخفى عنها المكان الّذي ستموت فيه .
وللّه حكم جليلة في كلّ تصريف من تصاريفه لخلقه ، وفي كلّ تقدير من تقاديره ، وفي كلّ قضاء من أقضيته .
فاضل من الفضلاء يعيش بنحو عشر قلبه المريض ، الّذي أجريت له فيه عدّة عمليّات ، وعاش سنين عديدة زيادة على ما قدّر الأطبّاء له أن يعيش .
عزم على أن يسافر إلى الرّباط من المملكة المغربية ، وكان مقيما في مكّة هو وأهله ، وله في مدينة الرّباط سكن وبعض مصالح .
ورجاه إخوانه ومحبّوه وكثير منهم أطبّاء بأن لا يسافر ، لأنّ حالته الصّحّيّة لا يناسبها هذا السّفر الطّويل ، وقد يكون هذا السّفر خطرا عليه ، وألحّوا عليه إلحاحا شديدا بأن لا يسافر .
لكنّه لم يستجب لرجاءاتهم وإلحاحاتهم ، وسافر إلى الرّباط ، وبعد مدّة غير طويلة جاءته منيّته فيها ، ودفن هناك ، رحمه اللّه رحمة واسعة .
سبق في تقدير اللّه وقضائه أنّ الأرض الّتي سيكون موته فيها ، هي الأرض الّتي مات عليها بالرّباط ، فحرّك اللّه قلبه بأن يسافر إليها ، ولم تؤثّر فيه نصائح إخوانه ومحبّيه ، فقد كان قضاء اللّه غالبا ، فجعل حرصه على السّفر إلى الأرض الّتي سيكون موته بها نابعا من عمق قلبه « 1 » .
وكان قد وقع في ظنّي أنّ حرصه على هذا السّفر مدفوع بقضاء ربّانيّ ، لأمر سبق به تقدير اللّه وقضاؤه .
هامش
( 1 ) إنّه الدكتور « محمد خير عرقسوسي » تغمّده اللّه برحمته ، وأسكنه فسيح جنّته .