أقول : وتشهد الاستعمالات بترجيح هذا القول .
إنّ اللّه عزّ وجلّ هو الّذي يرزق عباده ، فيقضي لبعضهم بالسّعة في الرّزق ، ويقضي لبعضهم بجعل رزقهم غير ذي سعة ، ليبلو كلّا فيما آتاه بحسب خصائص نفسه الّتي فطره اللّه عليها .
وقد يكافئ اللّه بعض عباده المتّقين أو الأبرار برزق خاصّ بهم ، دون أن يتّخذوا وسائل مادّيّة ظاهرة ينسب إليها هذا الرّزق .
ومن أمثلة هذا ما رواه مسلم في صحيحه ، والإمام أحمد عن أبي هريرة ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« بينا رجل بفلاة من الأرض ، فسمع صوتا في سحابة يقول : اسق حديقة فلان ، فتنحّى ذلك السّحاب ، فأفرغ ماءه في حرّة « 1 » ، فإذا شرجة من تلك الشّراج « 2 » قد استوعبت ذلك الماء كلّه ، فتتبّع الماء ، فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل الماء بمسحاته ، فقال له : يا عبد اللّه ، ما اسمك ؟
قال : فلان ، للاسم الّذي سمع في السّحابة . فقال له : يا عبد اللّه ، لم تسألني عن اسمي ؟ . قال : إنّي سمعت صوتا في السّحاب الّذي هذا ماؤه يقول : اسق حديقة فلان لاسمك ، فما تصنع فيها ؟ . قال : أمّا إذ قلت هذا فإنّي أنظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدّق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثا ، وأردّ فيها ثلثا » .
أقول : وبسبب أنّه كان في صدقته من الأبرار ، رزقه اللّه بالغيث من حيث لا يحتسب ، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الطلاق / 65 مصحف / 99 نزول ) :
هامش
( 1 ) الحرّة : أرض ذات حجارة سود كأنّها أحرقت .
( 2 ) الشّرجة : مجرى ماء يسيل من الهضاب إلى ما دونها من الأرض .