ولذا خاطب اللّه عزّ وجلّ المؤمن بقوله له في سورة ( الكهف / 18 مصحف / 69 نزول ) :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً
( 24 ) .
لفظ « فاعل » بمنزلة الفعل المضارع ، يدلّ هنا على الاستقبال .
والمراد الجزم بأنّه سيفعله قطعا ، لا مجرّد العزم على فعله ، فالجزم يعارضه احتمال وجود مشيئة للّه عزّ وجلّ مضادّة لفعله ، ولذلك يعد ويقول مع وعده : إن شاء اللّه ، أي : وإن لم يشأ اللّه فإنّي لا أفعله .
وما ينطبق على الغد ينطبق على كلّ أزمان المستقبل الذي يبدأ عقب لحظة التّكلّم ، أمّا ما بعد الغد فهو مثل الغد من باب أولى . وأمّا ما دون الغد من بعد لحظة التّكلّم ، فالأمر فيه احتمالان .
الاحتمال الأوّل : أن يكون داخلا تحت عبارة
غَداً
على اعتبار أنّ المراد بالغد كلّ أزمان المستقبل الّذي لا تعلم نفس ماذا تكسب فيه ، لاحتمال وجود مانع أو أكثر سبقت بإرادته مشيئة اللّه عزّ وجلّ .
الاحتمال الثّاني : أن يكون فسحة منحها اللّه للمؤمن لرفع الحرج عنه ، إذا لم يقل : إن شاء اللّه ، في أمر عزم أن يفعله اليوم ، لصعوبة ملاحظة هذا دواما ، على أنّ الأفضل له أن يقول أيضا : إن شاء اللّه في كلّ أمر أن يفعله ، ولو في ساعة من ساعات يومه .
القضيّة الخامسة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
. . وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ . . :
أي : وما تدري نفس مخلوق ما أيّ مخلوق حيّ بأيّ أرض تموت .
إنّ هذا العلم ممّا حجبه اللّه عزّ وجلّ عن النّفوس ، فلا تعلم نفس حيّة ما الأرض الّتي سيكون موتها فيها .