تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 759

مساهمون:

ص٧٥٩
ولا يخفى على المتدبّر الحصيف ما في هذه الاستعارة القائمة على التّشبيه ، من إبداع رائع في عرض الصّورة ، مع ما فيها من دقّة بالغة الغاية في توصيل المعنى المراد بيانه . إنّ التّشبيه الّذي اعتمدت عليه هذه الاستعارة ، يدلّ بأوجز عبارة على حركة شيئين ، متلاصقي الرّأسين على شبه دائرة ، أحدهما يختفي والآخر يظهر ، واختفاء اللّيل يكون عند الشّروق من جهة مطلع الشّمس ، واختفاء النهار يكون عند الغروب من جهة مغرب الشّمس ، وهذا الاختفاء من كليهما يدلّ على أنّ الحركة حركة دائريّة ، إذ يدخل كلّ طرف من طرفي أحدهما ، في الطّرف الآخر من الآخر منهما ، وهكذا دواليك مع تتابع الأيّام . وعرض هذه الآية بعناية في خمسة نصوص قرآنيّة ، من آيات اللّه في كونه ، يحثّ المشتغلين بالبحث العلميّ في الكونيّات ، على البحث الجادّ عن سببها التّكويني ، وحين يتوصّلون إلى معرفة السّبب ، ويعلمون أنّه يرجع إلى التّنظيم البديع ، والإتقان المدهش العجيب ، في وضع كلّ من الشّمس والأرض في مجموعة نجوم مجرّتنا وكواكبها ، وفي حركة دوران الأرض حول نفسها في اتّجاه الشّمس ، مع المحافظة على المسافة ومقدار الحركة ، طوال مئات الملايين من القرون ، فإنّ ذوي الألباب المنصفين منهم ، لا بدّ أن يؤمنوا بالخالق الرّبّ جلّ جلاله وعظم إتقانه وسمت حكمته ، ولا بدّ أن يذعنوا له ، ويخضعوا ، وأن يتوجّهوا له وحده بالعبادة ، وأنّ لا يشركوا بعبادته أحدا . ومع ما في هذه الآية الكونيّة من دلالات على قدرة اللّه ، وشمول علمه ، وعظيم إتقانه ، وجليل حكمته ، ففيها أيضا دلالة على عناية اللّه بعباده في الأرض ، وعلى واسع رحمته ، وفيوض إنعامه على خلقه الّذين لهم منافع جليلة وكثيرة من تتابع اللّيل والنّهار على سطح الأرض .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 759 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني