نشاهد منها على سطح الأرض تتابع اللّيل والنّهار دائرين ، فكلّما امتدّ أحدهما من جهة تقلّص الآخر من الجهة نفسها ، وكلّما اختفى أحدهما من جهة ظهر الآخر من الجهة نفسها ، وهكذا دواليك مع توالي الأيّام .
واكتشف علماء الكونيّات بالبحث العلميّ ، أنّ حركة دوران الأرض حول نفسها باتّجاه الشّمس ، ضمن نظام متقن عجيب ، يجعل اللّيل يختفي شيئا فشيئا عن سطح الأرض ، كلّما امتدّت بالتّدرّج أشعّة الشّمس صباحا ، على مسافات من الأرض بتتابع الشّروق .
هذه الظّاهرة تشبه إيلاج شيء في شيء آخر ، إذ يختفي من الوالج ما يدخل منه في المولوج فيه ، فكأنّ اللّيل مع تتابع الشّروق على مسافة فمسافة من الأرض يلج في النّهار الذي يخفيه .
وهذه الحركة نفسها إذا شاهدها النّاظر ، وهو مرتفع في الطّائرة ، وينظر من الجوّ ، عند تتابع غروب الشّمس ، على مسافة فمسافة من الأرض ، فإنّه يرى اختفاء النّهار شيئا فشيئا ، كما يختفي من الوالج بمقدار ما يدخل منه في المولوج فيه ، فكأنّ النّهار مع تتابع الغروب يلج في اللّيل الّذي يخفيه .
فجاء في النّصّ تشبيه تتابع ذهاب اللّيل ، عند تتابع أحوال الشّروق ، وتشبيه ذهاب النّهار عند تتابع أحوال الغروب بولوج شيء في شيء آخر .
وجاء في النّصوص إيثار البدء باختفاء اللّيل عند الشّروق ، لأنّ اللّيل ظلام ولأنّ النّهار ضياء ، وبدء الكلام بحدوث الضّياء أولى من بدء الكلام بحدوث الظّلام .
ولكن طوي في النّصوص التّصريح بما يدلّ على التّشبيه ، واستعير منه لفظ « يولج » للدّلالة عليه ، ففي التّعبير استعارة واضحة بحسب مصطلح البلاغيّين .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 758
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٧٥٨