غضّ الصّوت : خفضه وعدم رفعه ، فرفع الصّوت في الأحاديث العاديّة مناف لسلوك العاقل الرّصين الرّشيد .
أصل الغضّ من الشّيء النّقص منه ، والمطلوب في الصّوت عند المحادثة أن يكون بمقدار ما يسمع دون زيادة ولا نقص .
إنّ الزّيادة في رفع الصّوت عن المطلوب رعونة لا تليق بالعاقل الحكيم الرّشيد ، وإنّ خفضه عن المطلوب للإسماع مناف للحكمة ، ودليل على أنّ المحدّث لا يملك الحسّ اللّازم لتقدير الأمور قدرها بحسب الحاجة .
إنّ رفع الأصوات من أعمال الباعة المتجوّلين ، الّذين يريدون إسماع النّاس في بيوتهم ومنازلهم عمّا جلبوه ليبيعوه ، وهؤلاء لا يعنيهم الالتزام بالآداب العامّة ، إنّما يعنيهم بيع بضائعهم الّتي جلبوها ، لكسب أرزاقهم ، والنّاس يعذرونهم في هذا ، لكنّهم لا يعذرون المحدّثين في المجالس ، أو المتحادثين في أمور خاصّة أو عامّة ، إذا رفعوا أصواتهم عن مقدار حاجة الإسماع ، ويعتبرون ذلك عملا مزعجا لآذان النّاس الّذين لا مصلحة لهم في سماع الحديث ، ومخالفا للآداب العامّة .
وللتّنفير من رفع الصّوت دون الحاجة إليه قال لقمان لابنه :
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ :
أي : إنّ رفع الصّوت دون حاجة إلى رفعه من صفات الحمير ، فلا تكن يا بنيّ متّصفا بصفة هي من صفات الحمير الّتي تنهق فترفع أصواتها المنكرة لحاجة في أنفسها .
أنكر الأصوات : أي : أقبحها وأكثرها تنفيرا للأسماع .
وجاء في هذه العبارة التوكيد ب « إنّ - والجملة الاسميّة - واللّام المزحلقة » والغرض من التوكيد بهذه المؤكّدات المبالغة في التّنفير من رفع الصّوت دون حاجة إلى رفعه .