هذا بيان صادر عن اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - إذ التقدير لا يكون من الرّسل من الملائكة ، بل هم أدوات تنفيذ لقدر اللّه وقضائه .
لَمِنَ الْغابِرِينَ :
كلمة « الغابر » تأتي في اللّغة بمعنيين :
الأول : الماكث الّذي لا يتحوّل .
الثاني : الذاهب الماضي الّذي لم يبق له وجود .
وكلا هذين المعنيين ينطبقان على امرأة لوط عليه السّلام ، فقد جعلها اللّه تمكث في أرض قومها ، بإهلاكها قبل أن تخرج منها وتفارق حدودها ، وأهلكها اللّه مع قومها فذهبت مع الذاهبين منهم بالإهلاك الرّبّاني ، ومضت مع الماضين ، ولم يبق لها في أرضها وجود حيّ .
وهذا من استعمال اللّفظ في معنييه ، وهو مذهب جمهور علماء أصول الفقه ، وتشهد له نصوص قرآنيّة متعدّدة ، وهو مظهر من مظاهر الإيجاز في القرآن المجيد .
قول اللّه تعالى :
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ( 61 ) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
( 62 ) :
دلّ هذا البيان على أنّ الرّسل من الملائكة الّذين جاءوا على صور شباب مرد حسان ، مرّوا بآل لوط قبل أن يصلوا إليه ، وعن طريقهم طلبوا مواجهته ، فأذن لوط عليه السّلام بأن يدخلوا إليه ، وعصى بذلك أوامر كبراء قومه ، إذ سبق أن عزلوه عزلا اجتماعيّا ، ونهوه عن أن يلقى أحدا من العالمين .
لقد عزّ عليه أن يرفض استقبال ضيوف من غير قومه نزلوا بساحته ، وطلبوا الاجتماع به .
فلمّا دخلوا عليه وتفحّص وجوههم وألبستهم لم يعرف من أيّ قوم