ويكرّرون هذه السّخرية الشّديدة ، أخذا من دلالة الفعل المضارع :
يَسْتَسْخِرُونَ
الدّال على التكرار والتّجدّد .
وإذا انتهى وقت جريان الآية الخارقة ، وعادت الأمور إلى طبيعتها ، قالوا : إن هذا إلّا سحر ظاهر مبين من أعمال السّحرة ، فمحمّد ساحر من السّحرة ، وليس رسولا .
دلّني على هذا الّذي فهمته من النصّ ، استعمال الفعل الماضي في :
وَقالُوا
بعد استعمال الفعل المضارع في
يَسْتَسْخِرُونَ .
* قول اللّه تعالى بشأن المعالجين أنفسهم أيضا وإنكارهم للبعث والدّار الآخرة ، حكاية لقولهم :
*
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 17 ) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ
( 18 ) :
دلّ هذا البيان في سورة ( الصّافّات ) على أنّهم ما زالوا إبّان نزولها ينكرون البعث ويوم الدّين ، ولم يستطيعوا أن يأتوا بدليل ولا بشبهة دليل ، غير مجرّد الاستغراب والاستبعاد بأسلوب الاستفهام الإنكاري ، الّذي سبق أن تعلّلوا به منذ بدء تلقّيهم لنبأ البعث ، ويوم القيامة ، وليس من شأن استغراب أمر ما أن يكون دليلا على أنّه باطل ، فكم يستغرب النّاس أشياء أو أحداثا وهي من الحقائق الثّابتة بيقين .
وقد سبق أن قدّم اللّه لهم الدّليل البرهانيّ الدّافع لاستبعادهم واستغرابهم ، فلم يقبلوه وأصرّوا على إنكارهم وموقفهم الّذي لا حجّة لهم فيه ، فكان من الحكمة أن يقول اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ
( 18 ) : أي : نعم ستبعثون يوم القيامة ، للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، وأنتم أذلّاء ، صاغرون ، خاضعون .
الداخر : هو في اللّغة الذّليل ، الصّاغر ، الخاضع .