وأنّه كان مأمورا بأن يسجد معهم ولو لم يكن من جنسهم ، وظاهر أنّه أبى أن يسجد استكبارا ، واختار أن يعصي ربّه فيما أمره به ، وانفرد وحده بعدم السّجود ، رافضا أن يكون ساجدا مع المأمورين من الملائكة بالسّجود ، إذا اعتبر نفسه نفاقا واحدا منهم .
* قول اللّه تعالى :
*
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32 ) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 33 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
( 35 ) :
في هذه الآيات بيان خلاصة الجلسة الأولى من جلسات محاكمة اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه - لإبليس على رفضه طاعة أمر ربّه بالسّجود لآدم .
*
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
( 32 ) : أي : قال اللّه عزّ وجلّ لإبليس مترفّقا بمساءلته ، ومخاطبا له باسمه المعروف به بين الملائكة ، والمعروف به بين الجنّ :
ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ :
أي :
أيّ عذر لك حملك على أن لا تكون ساجدا مع السّاجدين من ملائكة الملأ الأعلى ، وقد تسلّلت في صفوف الملائكة مترقّيا ، حتّى اعتبرت نفسك واحدا منهم ، حريصا على أن يكون لك من الفضل والمنزلة الرّفيعة عندي مثل ما لهم ، ولو لم يكن عنصرك من الملائكة المخلوقين من نور ، بل أنت من الجنّ المخلوقين من مارج من نار ، وقد علمت أيضا أنّ الأمر بالسّجود لآدم موجّه من ربّك لك كما هو موجّه للملائكة ، نظرا إلى أنّك اعتبرت نفسك واحدا منهم .
فلم يخف إبليس في جوابه احتقاره لآدم ، ناظرا إلى أحد أطوار خلق جسده ، وإلى كونه بشرا .