قال ربّك للملائكة ، والمراد الملأ الأعلى من الملائكة ، أخذا من دلالة الآية ( 69 ) من سورة ( ص / 38 نزول ) : إنّي سأخلق بشرا من صلصال من حمأ مسنون ، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، وكان مندسّا فيهم إبليس الّذي هو من الجنّ وليس من الملائكة ، متستّرا بأعمال المنافقين ، مبتغيا العلوّ في صفوف الملائكة بعوامل ما نفسه من كبر وعجب بالنّفس ، وأغراه أنّه قادر على أن يلبّس على الملائكة بعباداته للتّشابه الجسديّ القابل للتّشكّل كالملائكة .
*
فَإِذا سَوَّيْتُهُ :
أي : فإذا أتممت تقويمه وتعديل خلقه ، حتّى صار سويّا مكتملا للغاية المخلوق لها ، وهي الصّورة البشريّة الكاملة .
يقال لغة : « سوّى فلان الشّيء » : أي : قوّمه وعدل بين أجزائه فجعله سويّا ، ويقال للغلام إذا تمّ شبابه : قد استوى .
*
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي :
أي : ونفخت فيه روحا من جنس الرّوح الّذي هو خلق من خلقي ، وملك من ملكي .
إضافة الرّوح إلى ياء المتكلّم الواحد الأحد هي على معنى الملك ، إذ كلّ ما خلق هو ملكه ، ونظيره قول اللّه تعالى :
إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ
و
وَادْخُلِي جَنَّتِي
و
وَأَنَّ هذا صِراطِي .
الرّوح : خلق من خلق اللّه ، يكون وجوده بأمر التكوين المباشر ، دون وساطة أسباب من مخلوق سابق له ، فإذا نفخت ذرّة منه في شيء صار حيّا وفق التكوين الّذي خلق له .
*
فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ :
الوقوع والسّقوط والخرور ، يراد بها سرعة الهبوط والنزول ، حتّى يكونوا ساجدين .
وهذا السّجود هو طاعة لأمر اللّه ، وتكريم وتوقير لآدم ، عليه السّلام ، وتكفير عمّا كانوا كتموه من أنّهم أفضل من هذا المخلوق