أراه أنّ الباغي يراد به الواحد من البغاة ، وهم الخارجون على السّلطة الإداريّة المسلمة لسلب الحكم من أهله ، أو للسّطو على النّاس وسلب أموالهم بغير حقّ . أمّا العادي فيراد به الّذي يتجاوز حدود اللّه حين يضطرّ أن يأكل ممّا حرّم اللّه ، فيأكل بنهم وإسراف أكثر ممّا يدفع به ضرورته .
فالباغي الخارج على السّلطة الإداريّة المسلمة بغير حقّ ، والقائم بأعمال السّطو الحرام ، لا يباح له أن يأكل عند الضّرورة من المحرّمات من المطاعم ، لأنّه عاص في خروجه الّذي أفضى به إلى ضرورته .
ومن يباح له عند الضّرورة أن يأكل من المطاعم المحرّمة ليس له أن يستزيد من الأكل أكثر ممّا يدفع الضّرورة الّتي يقدّرها ، وهو منقطع عن المباحات من المآكل محروم منها .
*
فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 145 ) : جاءت هذه العبارة في آخر الآية للدّلالة على أنّ المضطرّ قد يستزيد ممّا يأكل أكثر ممّا يدفع به ضرورته ، لأنّه يعسر عليه ضبط مقدار ما يدفع به ضرورته ، أو يعسر عليه ضبط شهوة نفسه عند الحدّ المأذون به شرعا ، فإنّ اللّه يغفر له ، لأنّه غفور ، كثير الغفران وعظيمه ، وهذا من رحمته بعباده ، على أنّ أصل حكم الإباحة عند الضّرورة أثر من آثار رحمته تبارك وتعالى .
وأمّا ما خضّ اللّه به اليهود من المحرّمات زيادة على المحرّمات الخمسة الّتي سبق بيانها ، فقد كان بسبب بغيهم وظلمهم مع أنّها من الطّيّبات الّتي ليس من حكمة اللّه أن يحرّمها في كلّ رسالاته للنّاس ، فقال اللّه تعالى :
*
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ
( 146 ) .