ومن هذا ندرك أنّ كلّ تحريم في المآكل والمشارب والألبسة والمساكن دون إذن شرعيّ ، وليس للمحرّم فيه برهان من اللّه ، هو افتراء على اللّه ، وافتئات في الدّين ، والتّذرّع ببعض الأحاديث الضّعيفة ، أو الّتي لا تقوى على إثبات حكم التحريم لا يغني من الحقّ شيئا .
* قول اللّه تعالى في الآية الأخيرة من هذا الدّرس ، تعقيبا على ما سبق بيانه فيه من أحكام وأعمال جاهليّة ما أنزل اللّه بها من سلطان :
*
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
( 140 ) :
الخاسر : يأتي في اللّغة بمعنى المغبون في تجارته ، وبمعنى الهالك ، وبمعنى الضّالّ ، وهذه المعاني كلّها تنطبق على هؤلاء المذكورين في الآية .
سَفَهاً :
السّفه : نقصان العقل ، والخفّة ، والطّيش ، ومجانبة الرّشد في القول أو العمل . وممّا لا شكّ فيه أنّ الّذين كانوا يقتلون أولادهم من أهل الجاهليّة على ما سبق بيانه قد كانوا سفهاء ، وكانت تصرّفاتهم غير مبنيّة على علم . وكذلك الّذين كانوا يفترون على اللّه في الأحكام ، فيحرّمون بعض ما رزقهم اللّه ، ويزعمون أنّها أحكام إلهيّة .
فهم خاسرون إذ عرّضوا أنفسهم لعذاب اللّه ، وهم سفهاء ناقصوا العقل مجانبوا منهج الرّشد ، وهم ضالّون عن صراط الحقّ .
وَما كانُوا مُهْتَدِينَ :
أي : وما كان لديهم الاستعداد لأن يهتدوا مستقبلا ، إذ رفضوا الحقّ معاندين .
وبهذا تمّ تدبّر الدّرس التاسع والعشرين من دروس سورة ( الأنعام ) .
والحمد للّه على معونته ومدده وتوفيقه وفتحه .
* * *