تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
هذا ما دلّت عليه هذه الآية بإيجازها ، وطريق تعبيرها الرّائع ، الّذي فيه الدّلالة على حرّيّة إرادات العباد الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، وفيه الدّلالة على أنّه لا يوجد شيء في كون اللّه إلّا بخلق اللّه ، فمن شاء من العباد طريق الهدى باختياره الحرّ ، سهّل اللّه له طريق الهدى ، وأعانه عليه ، ويسّره له ، وخلق له ما أراد ، ومن شاء من العباد طريق الضّلالة باختياره الحرّ ، سهّل اللّه له طريق الضّلالة ، ويسّره له ، وخلق له ما أراد . ويتمّ بذلك امتحان إرادات العباد على أحسن وجه وأتمّه ، وهي إرادات ذوات حرّيّة تامّة في اختياراتها ، ولا يتحقّق في كون اللّه إلّا ما يخلق اللّه بمشيئته ، لأنّ له الرّبوبيّة الكاملة التّامّة في كونه الّتي لا يشاركه فيها أحد ، فكلّ ما فيه خلقه . *
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ :
أي : فمن يرد اللّه أن يهديه هداية معونة وتوفيق ، في مسيرته العمليّة الظّاهرة والباطنة ، على صراط اللّه العمليّ الّذي اصطفاه لعباده ، لأنّه آمن إيمانا صحيحا صادقا ، يشرح صدره لتطبيقات الإسلام في سلوكه ، على مقدار قوّة إيمانه . شرح الصّدر : هو بسطه وتوسعته . وشرح الصّدر للإسلام يكون بانفراجه وسروره ، وذهاب ضيق الغمّ والهمّ والحزن عنه ، ويكون بجعله قادرا على تحمّل المزعجات والمكاره بصبر وحلم ، والقيام بالأعمال الإسلاميّة برغبة وهمّة وفرح ومسرّة ، طمعا بمرضاة اللّه واغتنام ثوابه العظيم في جنّات النعيم ، وكلّ هذا من ثمرات صحّة الإيمان في السّلوك . *
. . . وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
( 125 ) : أي : ومن يرد اللّه أن ييسّر له سبل الضّلال ، لأنّه لم يؤمن بما أمر اللّه الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان أن يؤمنوا به ، ولم
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 418 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني