تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
*
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها . . . :
أي : وكذلك الّذي حصل في مكّة من قبل أئمّة الكفر والشّرك فيها ، من مكر ضدّ الرّسول ، وضدّ دعوة الحقّ الّتي جاء بها من ربّ العالمين ، وضّد المؤمنين الّذين آمنوا واتّبعوا رسول ربّهم ، جعلنا في النظام العامّ لرحلة الامتحان في الحياة الدّنيا ، من خلال تفاضل النّاس في صفاتهم الجسديّة والنّفسيّة ، وضمن الإرادة الحرّة الممنوحة لكلّ ممتحن ، أن يظهر في كلّ قرية مجرمون أذكياء ، يستخدمون ذكاءهم للوصول في مجتمعهم إلى مراكز القيادة والتّسلّط ، بغية الاستكبار إرضاء لأهوائهم ، وبغية تحقيق منافع دنيويّة كثيرة لأنفسهم عن طريق مراكزهم السّلطويّة ، وهؤلاء يكونون - إلّا قليلا منهم - أعداء لرسل اللّه ، ولدين اللّه لعباده ، وللمؤمنين الصّادقين الّذين يستجيبون لدعوات الرّسل ، ويتّبعونهم جنودا لهم . فالجعل هنا جعل للنّظام العامّ الّذي يلزم عنه وجود مجرمين ، يعملون بما يستطيعون من حيلة وذكاء وتخطيط ليمكروا في قريتهم ، لاحتلال مراكز القيادة فيها ، ولتحقيق منافعهم ومصالحهم الدّنيويّة ، وليمكروا ضدّ رسل اللّه ، وبما جاؤوا به من عند اللّه ، وبالمؤمنين المسلمين ، خوفا على مراكزهم الاجتماعيّة ، ومنافعهم ، ومصالحهم الدّنيويّة . *
. . . وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 123 ) : أي : وبما أنّ مكرهم بالرّسل وبأتباعهم ، وبدعوة الحقّ الرّبّانيّة يحبطه اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - ثمّ يردّه عليهم ويعاقبهم عليه عقابا شديدا ، فهم في الحقيقة لا يمكرون إلّا بأنفسهم ، إنّهم في أحوال كدحهم تدبيرا ومكرا كبّارا مدفوعون بطمع شديد أنّهم غالبون ، ولا يشعرون أدنى شعور بأنّ مكرهم مردود عليهم .