تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
تشبيها بواقع حال أكابر مجرمي مكّة الّذين اشتملت السّورة على مقدار كبير من معالجتهم ، أبان اللّه عزّ وجلّ سنّة من سنن الاجتماع البشري ، وأتبعها ببيان يتعلّق بأكابر مجرمي مكّة وبعض مطالبهم التّعنّتيّة . القرية : كلّ أرض فيها بيوت ومساكن مجتمعة صغيرة أو كبيرة ولو بلغت مدينة عظيمة . أكابر : جمع « أكبر » وهو الأعظم في قومه . المجرم : المتعدّي بذنب كبير ، وخصّ في القرآن بالكافر المستحقّ الخلود في عذاب النار يوم الدّين ، لأنّه مرتكب من الذّنوب ما هو من مستوى الكفر . المكر : تدبير أمر في خفاء ضدّ الممكور به ، وهو يكون في الخير ، ويكون في الشّرّ . الصّغار : الذّلّة والهوان ، يقال لغة : « صغر ، يصغر ، صغارا » أي : رضي بالذّلّ والضّعة ، أو هو الواقع في الذّلّ والضّعة . إنّ من سنن اللّه في المجتمات البشريّة ، أنّ المجتمع الّذي لا تسوده ولا تحكمه شريعة اللّه لعباده بإرادة مؤمنة مسلمة ، أن يعمل أكابر المجرمين فيها حتّى يحتلّوا مراكز القيادة والتّسلّط على الجماهير ، وهذا يمكّنهم من تحقيق منافع دنيويّة كثيرة لهم ، بأنواع كثيرة من المكر ، فإذا ظهرت دعوة الحقّ الرّبّانيّة في مجتمعهم ، خافوا على مكاناتّهم في مجتمعهم ، وعلى مصالحهم الكثيرة أن تتفلّت من أيديهم ، فيمكرون بكلّ ما يستطيعون من مكر للتّخلّص من دعوة الحقّ الرّبّانيّة ، ومن دعاتها ، وللعمل على إطفاء نور اللّه بأفواههم ، أي : بزخرف أقوالهم الزّيوف ، وهم غافلون عن عدل اللّه الّذي يعاقبهم عقابا شديدا على مكرهم ، ويحبط مكرهم ، فهم في الحقيقة إنّما يمكرون بأنفسهم ، في حين أنّهم يتصوّرون أنّهم يمكرون بدعوة الحقّ وبالرّسول وبالمؤمنين .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 413 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني