والآخرة . وهذه العبادة الاختياريّة لا تكون إلّا للرّبّ - جلّ جلاله وعظم سلطانه - فهو وحده الّذي يستحقّها .
والعبادة بتعبير آخر : هي السّلوك الإراديّ الواعي ، المحقّق لمطلوب الرّبّ من عبده ، ولما يرضيه منه على ما شرع ، مع قصد عبادته له وحده لا شريك له .
*
. . . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
( 102 ) : أي : وهو - جلّ جلاله - مهيمن على كلّ شيء في الوجود كلّه هيمنة إمداد بأسباب البقاء وشروطه ، وهيمنة حفظ ورقابة دائمين ، على وفق خطّة تكوين كلّ شيء ، ترقية إلى كمال الشيء ، أو تنكيسا له ، حتّى إنهاء ما قدّر له من درجات صاعدات ، أو دركات نازلات ، أو مراقبة سلوكه الإراديّ إن كان من ذوي الإرادات الحرّة الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء ، أو مراقبة تأدية كلّ مكلّف وظيفته الّتي كلّف القيام بها ، إلى غير ذلك ممّا تتطلّبه وكالة الوكيل على الشيء وهيمنته عليه .
*
. . . لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ . . . :
أي : ليس لأبصار كلّ ذوي الأبصار من المخلوقين قدرة على إدراك ذاته جلّ جلاله إدراك إحاطة .
إدراك البصر لشيء ما : هو رؤيته على سبيل الإحاطة ، أو دون إحاطة .
فإن كان المنفيّ إدراك الأبصار لذات اللّه - جلّ جلاله - على سبيل الإحاطة ، فالعبارة شاملة لأحوال الدّنيا والآخرة ، لأنّ رؤية ذات اللّه على سبيل الإحاطة لا تملك الخلائق القدرة عليه .
وإن كان المنفيّ الإدراك لا على سبيل الإحاطة ، فالعبارة خاصّة بأحوال الحياة الدنيا ، أمّا رؤية ذات اللّه رؤية ما لا على سبيل الإحاطة في الآخرة ، فهي ثابتة للمؤمنين بالكتاب والسّنّة المتواترة الّتي لا شكّ فيها .