تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
*
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ :
أي : إلّا أمم أشباهكم ، ذوو حياة ، وخرائط نفسيّة ، ونظم حياة ، ومدارك على مقاديرها . الأمّة : تطلق على كلّ مجموعة من النّاس أو من الأحياء الأخرى ، تجمعها صفات ، أو خصائص ، أو روابط متميّزة . الناس كلّهم أمّة . والعرب أمّة . والفرس أمّة . والتّرك أمّة . وكلّ قبيلة أمّة . واليهود المتّفقون على عقيدة واحدة أمّة . والنّصارى المتفقون على عقيدة واحدة أمّة ، وهكذا . والنّمل أمّة . والنّحل أمّة . والصّقور أمّة ، والنّسور أمّة . والإبل أمّة . والخيل أمّة . والبقر أمّة . والجراد أمّة . وهكذا . ولكلّ أمّة من هذه الأمم إدراكات على مقاديرها . أعلاها إدراكات النّاس ، فخصّهم اللّه عزّ وجلّ بالتكاليف الاعتقادية والعمليّة . بعد أن وضعهم في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، وكذلك الجنّ . وتننازل إدراكات سائر الأحياء في الأرض ، وقد ضبط اللّه سلوكها بغرائز تسير على خطوطها ، وجعلها تدرك معنى الظّلم بين أنواعها ، وتدرك معنى العقاب على ما يكون منها من ظلم ، وهذا الإدراك الفطريّ ، يلائمه من قانون العدل الرّبّانيّ ، أن يعاقب الظّالم منها بمثل ما ظلم ، ولا يعتبر من الظّلم ما هو من فطر الغرائز الّتي فطر اللّه البهائم عليها ، فلا يعاقب الأسد إذا افترس فريسته ليأكلها ، لأنّ هذا من مقتضى غريزته الّتي لا تعتبر ممارسته لها ظلما ، لكن يعاقب الثّور ذا القرون إذا اعتدى على ثور آخر لا قرون له فنطحه ، وكذلك الشّاة ذات القرون إذا نطحت الشّاة الّتي لا قرون لها ظلما وعدوانا . هذا مقتضى كمال العدل الرّبّاني ، ولهذا كان من الحكمة بعث أمم الحيوانات كلّها إلى يوم القيامة وحشرها ، لإقامة العدل بينها ، ولو لم تكن