أمّا أعمال التّقوى والبرّ والإحسان الّتي ترضي الرّحمن ، فغايتها تحقيق السّعادة في الأخرى ، ولا تحسب من الأعمال الّتي يكدح الإنسان فيها لدنياه ، بل لأخراه .
* وينتقل الدّرس إلى معالجة نفس الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الطّور من مسيرته الدّعويّة لقومه في مكّة إبّان نزول سورة ( الأنعام ) فيقول اللّه تعالى خطابا له :
* [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 33 إلى 36 ]
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 )
وفي قراءة يعقوب : [ يرجعون ] بالبناء للمعلوم ، وبين القراءتين تكامل في الأداء البياني ، أي : يرجعهم اللّه للحساب والجزاء يوم القيامة ، فيرجعون مطاوعين بالجبر .
دلّت هذه الآيات على أنّ كبراء مشركي مكّة المعاندين المصرّين على كفرهم ، كانوا قد زادوا من أقوالهم الّتي يردّدونها بوجوه مختلفة ، وفيها اتّهام للرّسول بأنّه مفتر كذّاب فيما يبلّغ عن ربّه في القرآن وفي البيانات الأخرى ، وزادوا في إيذائهم له ، وأنّ ذلك كان يحزنه كلّما بلغته اتّهاماتهم له بالكذب ، وكلّما بلغته إيذاءاتهم له .
ودلّت على أنّهم يتابعون مطالبته بالآيات الخوارق حتّى يؤمنوا به ، وهم كاذبون ، فلو أنّ اللّه أجرى لهم ما يطلبون من آيات لم يؤمنوا فاللّه عليم بما في نفوسهم .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 214
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢١٤