تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
أمورا يخفونها في مواقفهم السّابقة بعد بعثهم من أجداثهم ، واستمرّوا في إخفائها فيما بينهم ، أو في صدورهم ، حتّى عاينوا بأبصارهم مصايرهم ، وهم عند أبواب جهنّم خائفون مذعورون ، لا يملكون مهربا ولا مفرا . ولم يتنبّه المفسّرون إلى هذا المعنى ، فكانت لهم آراء متكلّفة فيما أرى ، ولا يحتمل النّصّ الدّلالة على شيء منها . *
. . . وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 28 ) : أي : ولو ردّوا إلى حياة الامتحان مرّة أخرى ، لعادوا لمثل الأمر الّذي كانوا عليه في الحياة الدّنيا ، وهو الكفر والتّكذيب بآيات اللّه ، والعصيان لربّهم بارتكاب الجرائم ، وهو الأمر الّذي كانوا قد نهوا عنه . والسّبب في هذا أنّ إعادة الامتحان تستلزم مسح كلّ مشاهد الآخرة من ذاكراتهم ، فإذا أعيدوا إلى ظروف حياة أخرى مماثلة لحياة الامتحان الأولى ، كانت نفوسهم على مثل الحال الّتي كانت عليها في أزمان الامتحان الأوّل لم يتغيّر فيها شيء ، فخريطة نفوسهم تبقى مثل ما كانت عليه في الحياة الدّنيا ، ولهذا فهم لا بدّ أن يعودوا إلى مثل سيرتهم الأولى حتما بعد أن مسحت من ذاكراتهم مشاهد يوم الدّين .
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ :
أي : لكاذبون في ادّعائهم أنّهم إذا أعيدوا إلى حياة الامتحان ، فسيكونون مؤمنين يعملون الصّالحات ، باعتبار أنّ واقع حالهم سيكون على نقيض هذا . وليس المراد أنّهم كاذبون في التّعبير عن مشاعرهم الدّاخليّة ، لدى تقديم وعودهم بأنّهم سيؤمنون ويعملون الصّالحات ، إذ هي مشاعر قد عبّروا عنها بصدق وهم عند أبواب جهنّم ، لكنّها لا تطابق واقع حالهم حينما يعادون إلى الامتحان مرّة أخرى ، وتكون صفحات ذاكراتهم بيضاء ليس فيها ممّا شهدوا من أحداث ووقائع يوم الدّين شيء ، ويكونون مثلما كانوا في رحلة الامتحان الأولى .