وهم بكلّ من النّهي الّذي يوجّهونه للنّاس ، والنّأي الّذي يفعلونه ، لا يجلبون لأنفسهم البقاء في سلطانهم وسيادتهم في قومهم ، بل يعرّضون أنفسهم للهلاك العقابيّ في الحياة الدّنيا ، قبل مجازاتهم يوم الدّين بعذاب خالد في الجحيم ، وإذا قدّر اللّه وقضى أن يهلك في الحياة الدّنيا بعض الّذين لم يستجيبوا لدعوة الحقّ من أهل مكّة ، فإنّه سيخصّ هؤلاء الأئمّة الضّالين المضلّين بالإهلاك ، ولا يكون نهيهم ونأيهم سببا في إهلاك غيرهم ، بل سيقتصر الإهلاك العقابيّ عليهم ، فهم بعملهم الإجراميّ لا يهلكون إلّا أنفسهم ، وهم ما يشعرون حين إهلاكهم أنّ إهلاكهم اقتصر عليهم ، وهذا ما حصل فعلا بعد ذلك ، وظهر جليّا في معركة بدر الكبرى ، فقد أهلك فيها أئمّة الكفر والشّرك ، وحمى اللّه من في قلوبهم خير ما من الإهلاك يومئذ ، ثمّ دخل في الإسلام يوم فتح مكّة من كان في قلوبهم خير ما ، حتّى أبو سفيان الّذي كان من أئمّة الكفر والشّرك قبل الفتح .
ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، بشأن الأسرى الّذين أسروا من أهل مكّة في غزوة بدر الكبرى ، في سورة ( الأنفال / 8 مصحف / 88 نزول ) :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
( 71 ) .
فتكاملت النّصوص القرآنيّة المتعلّقة بدلالة قول اللّه تعالى في سورة ( الأنعام / 55 ) الّتي يجري تدبّرها :
. . . وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 26 ) :
« إن » حرف نفي بمعنى « ما » .