الخير : يراد به هنا ما تحبّه النّفوس ، ويرى فيه الناس نفعا وحسنا ولذّة من متاع الحياة الدّنيا ، ولو كان جالبا لآلام وأضرار حقيقيّة غير منظورة ، أو غير مدركة ، أو في المستقبل ، فهي في الحقيقة شرّ .
* ولمّا كان المشركون يعتقدون أنّ آلهتهم الّتي يعبدونها من دون اللّه تنفع وتضرّ ، ومن نفعها أنّها تكشف الضّرّ إذا نزل بعابديها ، وتمنع الخير عن المؤمنين الموحّدين الكافرين بها ، كان من الحكمة في معالجتهم بالبيان الرّبّانيّ أن يخاطب اللّه عزّ وجلّ كلّ صالح للخطاب بقوله :
*
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 17 ) :
أي : وإن يمسسك اللّه المتصرّف بعباده على وفق حكمته في دنيا الابتلاء ، مسّا خفيفا بشيء تكرهه وتراه ضرّا ، فلا يوجد أحد في الكون يستطيع أن يكشفه عنك إلّا بإذنه وتمكينه ، وتقديره وقضائه ، فكيف لو كان إصابة داخلة إلى العمق ؟ !
كشف الضّرّ والسّوء : إزالته : وأصل الكشف : رفع الغطاء عن الشّيء .
وإن يمسسك اللّه بما تحبّ من الدّنيا ، وتراه خيرا لك ، فلا مزيل له إلّا هو ، فكيف لو كان إصابة داخلة إلى العمق ؟ !
طوي في العبارة الثانية جواب الشّرط « إن » لدلالة العبارة الأولى عليه ، وأفصحت عن هذا المطويّ الفاء في
فَهُوَ .
ودلّت عبارة :
فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ :
على أنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه - لا يعجزه إيجاد شيء يريد إيجاده ، ولا إعدام شيء يريد إعدامه ، ولا التّصرّف بشيء من الذّوات أو الصّفات يريد فيه مرادا ما ، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون .