تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
خالق كلّ شيء في السّماوات والأرض ، وربّ كلّ شيء فيهما ، فإذا اعترفوا بذلك لزمهم عقلا بأن يعترفوا بملكيّة اللّه لكلّ ما في السّماوات والأرض . ولمّا كان من بدهيّات العقول أنّ المالك هو الّذي له حقّ التّصرّف فيما يملك ، لزمهم أن يؤمنوا بأنّه لا يوجد أحد غير اللّه يتصرّف في ملك اللّه إلّا بما أذن هو به . وقد جاءت البيانات عن اللّه بأنّه لم يعط أحدا من خلقه حقّ التّصرّف في كونه ، إلّا ضمن حدود الأسباب الظّاهرة الّتي تستوي فيها الخلائق جميعا بحسب الطّاقات الممنوحة لهم ، أو ضمن حدود الآيات الخوارق الّتي يؤيّد اللّه بها رسله بإذن منه ، وأوامر يأمرهم بها ، ومع ذلك يكون الفعل فعل اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه . وحين يقرّ المناظرون من المشركين ، بأنّ ما في السّماوات والأرض خلق من خلق اللّه وملك من ملكه ، فعلى المناظر المؤمن أن يعلن هذه الحقيقة ويثبّتها ، دلّ عل هذا قول اللّه عزّ وجلّ في الآية له :
قُلْ لِلَّهِ :
أي : أعلن هذه الحقيقة وأثبتها . وبعد إثبات هذه الحقيقة ولوازمها ، ينبغي للدّاعي إلى دين اللّه الحقّ أن يتابع دعوته للمشركين للدّخول في الإسلام ، فجاء في التّعليم التّوجيه لعرض ثلاثة بيانات دعوية : البيان الأوّل : التّبشير برحمة اللّه الواسعة ، وقبوله توبة التائبين من سوابق كفريّاتهم ، دلّ عليه قول اللّه تعالى :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
أي : أوجب اللّه على نفسه الرّحمة وكتب هذا في اللّوح المحفوظ ، ومن رحمته - جلّ جلاله وعظم سلطانه - أنّ من كان كافرا ومرتكبا من الآثام كبائر كثيرة ، ثمّ آمن وأسلم طائعا مختارا قبل أن يلامس عتبة الموت ، فإنّ اللّه يقبل توبته ، ويغفر خطاياه ، فالإسلام يجبّ ما قبله من الذّنوب .