التّعجيب من أحوال المكابرين المعاندين من مشركي أهل مكّة ، وهذا هو الأجدر بالفهم فيما أرى .
ومن الّذين كانوا ممكّنين في الأرض أكثر من تمكين العرب إبّان التنزيل ، وأهلكهم اللّه إهلاكا جماعيّا بذنوبهم ، فرعون وملؤه وجنودهم ، وقوم عاد ، وقوم ثمود من قبل .
*
وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً :
أي : وأطلقنا لهم ماء السّحاب ينزل على أرضهم غيثا كثيرا غزيرا نافعا ، في أوقات الحاجة . يأتي الإرسال بمعنى الإطلاق .
ذكر لفظ « السّماء » والمراد ماء السّماء بمعنى السّحاب . مدرارا :
أي : كثيرا غزيرا ، يقال لغة : « سحاب مدرار » أي : كثير السّحّ .
حين يكون الماء بخارا ممتدّا في السّحاب يكون حبيسا مقيّدا في الجوّ ، فإذا شاء اللّه إنزاله أطلقه من قيوده بوسيلة اللّقاح بما تحمل الرّياح من جسيمات صغيرات ، كما سبق بيانه لدى تدبّر الآية ( 22 ) من سورة ( الحجر / 54 نزول ) .
*
وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ :
أي : وأجرينا لهم المياه العذبة في الأنهار بعد إنزالها من السّماء ، فهي تجري في مجاريها من الأرض ، وهذه المجاري تقع بالطّبع تحت مستوى سطوح الأرض الكائنة في شواطئها الّتي يسكنونها ويبنون عليها مساكنهم ، فهي تجري بهذا المعنى من تحتهم ، لا من فوقهم ولا محاذية لمستوى ارتفاعهم إذا كانوا على سطح الأرض لا في أنفاق منها .
*
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ :
أي : فأهلكناهم بسبب ذنوبهم العظمى إذ كفروا بآيات ربّهم ، وكذّبوا رسله ، وقاوموا دعواتهم ، وكان إهلاكهم إهلاكا جماعيّا ، بخوارق دالّات على القصد من إهلاكهم عقابا ، ليتّعظ به أولوا الألباب .