في هذه الآية بيان عنوانيّ موجز لأربع قضايا :
القضيّة الأولى : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
أي : من ماء وتراب على اختلاف عناصره من الأرض .
أمّا خلق جسد آدم من طين ، فقد جاءت بشأنه بيانات قرآنيّة كثيرة ، وهو من الأمور المبيّنة في كلّ ما أنزل اللّه من كتب ، وعلى لسان كلّ المرسلين والأنبياء ، منذ عهد آدم عليهم السّلام ، فلا يجحدها جاحد ، والتذكير بها يراد به الدّلالة على عظمة صفات الخالق البارئ المصوّر ذي الأسماء الحسنى ، الذي هو على ما يشاء قدير ، وهو الواحد في ربوبيّته لكلّ ما سواه جلّ جلاله وعظم سلطانه .
وأمّا خلق زوجه وذرّيّاتهما فهم مخلوقون أيضا من طين تبعا له ، ويضاف إلى هذه التّبعيّة ، أنّ جسد كلّ واحد منهم مخلوق من طين تحوّل بخلق اللّه تبارك وتعالى إلى غذاء ، فدماء ، فنطف ، فأجنّة ، وكان نماؤها وبقاؤها مستمدّا من الغذاء الّذي هو طين متحوّل ، إذا حلّلت عناصره ، وعزل بعضها عن بعض عاد ترابا وماء ، والطّين مرحلة من مراحل التكوين التّطويري .
فعبارة :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
عبارة منطبقة على الواقع دواما ، منذ النّشأة الأولى للنّاس ، وحتّى آخر مخلوق منهم .
القضيّة الثّانية : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
ثُمَّ قَضى أَجَلًا :
أي : ثمّ أنهى بالموت أجلا كان قدّره وأمضاه لحياة كلّ إنسان سبقت له حياة في هذه الدّنيا ، وهذا الأجل كان معيّنا معلوما للرّبّ الخالق ، ويتحقّق فيكم نظير ما سبق للّذين ماتوا من قبلكم ، وكذلك فيمن سيخلق من النّاس من بعدكم ، إلى أن تقوم السّاعة ، فسنّة اللّه في خلق النّاس واحدة .
وجاء العطف ب « ثمّ » للدّلالة على مدّة أجل حياة كلّ إنسان في هذه الحياة الدّنيا ، حياة الامتحان .