فنجعلك لا تنساه ، ولئن شئنا أن نمسحه من ذاكرتك لنذهبنّ به ، فلا تستطيع أن تتلو منه سورة أو آية أو كلمة .
ثمّ إن فعلنا ذلك ، فلو حاولت أن تفتري علينا شيئا غير الّذي أوحينا إليك فإنّك لا تجد في الوجود كلّه وكيلا لك علينا ذا سلطة علينا أو شفاعة بشأن القرآن ، لنعيد إلى ذاكرتك ما مسحناه منها .
وقد سبق أن عرفنا في الدّرس الثالث عشر ، أنّ الخطاب الموجّه فيه ظاهرا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، هو في حقيقته تيئيس بقوّة للكافرين الّذين يطالبون الرّسول بتغيير بعض ما في القرآن ممّا يكرهون ، ونظيره ما جاء في هذا الدّرس الثامن عشر .
وهذا من قبيل قول الأب لابنه في نفسه : عليك أقسو يا حبيبي لييأس من الطّمع فيّ سفهاء أولاد الجيران .
اللام في
لَئِنْ
موطّئة للقسم المنويّ . وجملة :
لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
جواب القسم .
قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التالية :
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
( 87 ) :
أي : لكن ثبتناك فلم تركن إلى الّذين كفروا ، وأثبتنا ما أوحينا إليك في ذاكرتك رحمة بك موجّهة من صفات ربوبيّتنا لك ، فتفضّلنا عليك بتثبيتك ، وبعدم مسح ما أوحينا إليك من ذاكرتك .
اختيرت عبارة
مِنْ رَبِّكَ
بدل ضمير المتكلّم العظيم « منّا » للدّلالة على صفات ربوبيّة اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه وفضله .
وبهذا الفهم تكون « إلّا » بمعنى « لكن » الاستدراكيّة ، وهذا فيما ظهر لي أولى من اعتبارها استثنائيّة تدلّ على محذوفات مطويّات تحتاج تقديرا .