وأبان اللّه عزّ وجلّ فضله الكبير على رسوله فقال له في الآية :
. . . إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
( 87 ) : أي : إنّ فضل ربّك عليك هو دواما فضل كبير .
الفضل : الزّيادة ممّا يحمد غالبا . والكبر يكون في المادّيّات وفي المعنويّات .
كيف لا يكون فضل اللّه عليه عظيما ، وقد جعله أفضل خلقه ، وخاتم أنبيائه ورسله ، وأنزل عليه القرآن أعظم كتبه ، وأكرمه بالإسراء ، وبالمعراج إلى السّماوات العلا ، إلى غير ذلك من خصائص .
قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
( 88 ) :
ظَهِيراً :
أي : معينا ، يطلق لفظ « ظهير » على الواحد والجمع .
إنّ عروض المزالق التي حاول أئمّة المشركين بها إغراء الرّسول أن يبدّل ما كرهوا من آيات القرآن ، ويجعل في مكانها آيات ترضيهم ، تشعر بأنّهم يتوهّمون أنّ القرآن من وضع محمّد وابتكاراته وتأليفاته ، وهو يقول : إنّه تنزيل ربّه افتراء عليه ، فكان من الحكمة تكليفه أن يقول لهم أنا عاجز عن الإتيان بمثل هذا القرآن ، إذ ليس في قدراتي ولا في قدرات جميع الإنس والجنّ أن يأتوا بمثله ، وأنا أتحدّاكم يا بلغاء العرب وفصحاءهم أن تأتوا بمثله .
بل أقول لكم أكثر من ذلك : أقسم لكم : لئن اجتمعت الإنس كلّهم ، مع الجنّ كلّهم ، عازمين بكلّ ما لديهم من قدرات على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، في إعجازه البياني ، في إعجازه العلمي ، وفي إعجازه التّشريعي ، وفي سائر جوانب إعجازه ، فإنّهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض معينا .