تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 700

مساهمون:

ص٧٠٠
وهذا البيان المصدّر بحرف « إذن » يستدعي كلاما مطويّا لم يصرّح به في اللّفظ ، ويمكن تقديره بما يلي : ولو أنّك يا محمّد ركنت إليهم شيئا قليلا ، لأذقناك على معصيتك وأنت إمام المسلمين وأوّلهم طاعة وتطبيقا للإسلام ، وأنت الأسوة الحسنة لهم في أقوالك وأعمالك ، ضعف عذاب ذنبك في الحياة مثلين فأكثر ، وضعف عذاب الممات في البرزخ بين الموت والبعث ، مثلين فأكثر ، وسكت النّصّ عمّا بعد البعث . ثمّ إذا أنزلنا بك العذاب على هذه المعصية الكبيرة لا تجد لك نصيرا ينصرك علينا فيرفع عنك العذاب . لكنّك لم تفعل شيئا من ذلك ، لأنّك قاربت أن تفعل فلم تفعل ، وتوكّلت علينا فثبّتناك وعصمناك . ومعلوم أنّ ما دخلت عليّه « لو » منفيّ الوقوع ، فليس في البيان إشكال ما حول عصمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وإنّ المتدبّر المتأنّي يرى أنّ هذا البيان الذي تأخّر إنزاله إلى العهد المدني ، وضمّ إلى سورة ( الإسراء ) المكيّة ، الّتي كان كبراء مشركي مكّة إبّان تنزيلها ، يوجّهون للرّسول مطالبهم الإغرائيّة الاستدراجية ، لم يقصد به شخص الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّ المرحلة قد مرّت ومضت ولم يكن منه ركون ما بصورة فعليّة ، والظاهر أنّها كانت خواطر وأحاديث نفس ليست مناط مسؤوليّة ولا محاسبة ، وإنّما المقصود بهذا البيان تحذير أئمّة المتّقين ، وإقناع أهل الكتاب في المدينة وغيرهم ، بأن يوطّنوا نفوسهم ، على اليأس من أن يتأثّر الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بإغراءاتهم ، وعروضهم الّتي يريدون بها إزلاقه ، وإخراجه عن بعض ما أنزل اللّه عليه من تعليمات وبيانات وأحكام ، وقد فعل اليهود هذا فخابوا .
لَأَذَقْناكَ
شبّه اللّه عزّ وجلّ الإحساس بألم العذاب بالذّواق ،