تنكّب صراط ربهم ، إلى الالتزام بسلوكه ، قال اللّه عزّ وجلّ له :
. . . وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
( 54 ) : أي : مسؤولا عن اختياراتهم في رحلة امتحانهم ، ولا عن أيّ سلوك من واقع سلوكاتهم الإراديّة .
وكيل الرجل في اللّغة : الّذي يقوم بأمره ، سمّي وكيلا لأنّ موكّله قد وكل إليه القيام بأمره .
فالمعنى : وما أرسلناك يا محمّد لتكون قائما على الناس بصفة ربوبيّتنا وكيلا عنّا على الناس ، إنّما أنت مكلّف أن تقوم بوظائف رسالتك ، وهي التّبليغ ، والتّعليم ، والتذكير ، والمعالجة بالتربية والمحاجّة واتّخاذ الوسائل الإقناعيّة ، وحسن قيادة من استجاب لك وأطاعك .
ولست مطالبا بتحويل النّاس من الكفر إلى الإيمان ، ومن العصيان إلى الطاعة ، ومن الضّلال إلى الهدى ، بل كلّ واحد منهم موضوع موضع الامتحان بعد تبليغه وإجباته تجاه ربّه مسؤول عن نفسه مسؤوليّة تامّة .
ونفهم من هذا النصّ وغيره أنّ اللّه عزّ وجلّ إذ وهب الناس إرادات حرّة ليبلوهم فيما آتاهم ، فإنّه تبارك وتعالى لا يسلبهم هذه الإرادات ، ولا يكرههم ، ولا يأذن للرّسول وللمؤمنين بإكراههم ، بل يترك لهم حرّيّاتهم في اختياراتهم ، لينالوا جزاءهم في الآخرة على ما اختاروه لأنفسهم مما هو خير لها ، وممّا هو شرّ لها .
إنّهم موهوبون أدوات العلم والمعرفة ، والإرادات الحرّة ، ليكونوا مسؤولين مسؤوليّة تامّة عن اختياراتهم . وليسوا قطعان أغنام لا عقول لها حتى تكون يا محمّد مسؤولا عن حفظهم وحمايتهم ، وإكراههم على الدخول في حظائر تحميهم من الذّئاب ، فوظيفتك ليست كوظيفة الوكيل على قطيع من الغنم ، بل أنت مبلّغ معلّم مرشد داع إلى سلوك صراط اللّه المستقيم ، وعلى النّاس أن يؤدّوا واجباتهم تجاه ربّهم .