تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
فالمعنى : انظر يا محمّد بفكرك الذي لا تحتاج معه إلى تأمّل وتدقيق وتعمّق ، متعجّبا مستنكرا كيف اصطنعوا كاذبين مفترين لك أوصافا ، يكشف الفكر القريب بطلانها ، لمنافاتها لصفاتك العظيمة الّتي تتحلّى بها ، ويدركها كلّ ذي فكر ، ولو لم يكن فطنا ولا ألمعيّا ، ولا باحثا متعمّقا ، ومعلوم أنّ الخطاب للرّسول خطاب لكلّ ذي نظر فكريّ . وجاءت كلمة « الأمثال » بالجمع إذ سبق لهم أن وصفوا الرّسول ظلما وعدوانا بأنه ساحر ، وبأنّه كذّاب ، وبأنّه مجنون ، ووصفوه هنا بأنّه مسحور ، مع ما بين بعض هذه الصفات من تناقض يسقط أقوالهم . ونلمح في عبارة
ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
إبداعا قائما على عكس التشبيه . فالأصل في التشبيه أن يقال : جعلوك مثل المسحور ، أو مثل السّاحر ، أو مثل المجنون ، ونحو ذلك . لكنّ النّصّ القرآنيّ كرّم الرّسول عن هذا ، فعبّر عن عملهم بأنّهم اخترعوا من عندهم رسومات ، وضربوها كما تضرب النقود تثبيتا لها ، وادّعوا أنّها تشبهك . وهذا أسلوب من تكريم الرسول عن شتائم أئمة المشركين له عجيب . وإذ وصفوا الرّسول بهذه الصفات المتعارضات المتناقضات الّتي ليس من العقول اجتماعها في شخص واحد ، فإنّهم قد وضعوا نفوسهم في متاهة فكريّة مظلمة بعيدة عن سبيل الحق ، فقال تعالى :
. . . فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
( 48 ) : أي : فلا يستطيعون أن يحدّدوا لنفوسهم سبيلا يقنعون به جماهيرهم الّذين يدينون لهم بالولاء ، بسبب أنّهم ضلّوا ضلالا بعيدا .