الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء ، هم متعلّقون بشهواتهم وأهوائهم من الحياة الدّنيا ، لا يعنيهم شيء ممّا اشتمل عليه القرآن من بيان ، فممّا جبلت عليه النّفوس بخلق اللّه أن تنصرف عمّا لا يعنيها وهي مشغولة شغلا تامّا بما يعنيها ، فإن كان الذي لا يعنيها مسموعا فإنّها لا تسمعه ، وإن كان مرئيّا فإنّها لا تراه .
قد تسمع أذانهم أصواتا غير ذات دلالة ، وقد ترى عيونهم أشباحا لا تميّز بينها .
والسّبب في ذلك وجود حجاب خفيّ من انشغالهم التامّ فيما يعنيهم ، وهذا الحجاب الخفيّ المستور يحجب عن أسماعهم إدراك الأقوال الّتي تطرق آذانهم ، فإذا سئلوا بعد ذلك : ماذا سمعتم ؟ قالوا لم نسمع شيئا . وهذا الحجاب الخفيّ المستور يحجب عن أبصارهم إدراك ما عرض عليها ، فإذا سئلوا بعد ذلك : ماذا رأيتم ؟ قالوا لم نر شيئا .
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
: أصل القراءة النّطق بمكتوب على شيء بقلم ما ، وبالتّوسّع في الاستعمال أطلقت على المنطوق من الكلام ولو كان استدعاء من الذّاكرة ، وليشمل النّصّ ما يقرؤه من المكتوب غير الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
( 45 ) :
أي : جعلنا بينك وبين استماع الّذين لا يؤمنون بالآخرة لقراءتك القرآن حجابا مانعا من وصول قراءتك إلى أسماعهم ، وهذا الحجاب مستور غير مرئي ، فهو أثر معنويّ من أثار صدّ نفوسهم عن تلقّي القرآن ، بسبب عدم إيمانهم بالجزاء الرّبّانيّ يوم الدّين .
والمراد بالجعل هنا ما جبل اللّه عليه النّفوس بالتّكوين العامّ ، فكلّ من لم يؤمن بالآخرة وما فيها من جزاء ربّاني ، ينصرف انصرافا تامّا عن