القضيّة الأولى : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
:
أي : وكلّ إنسان موضوع في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء ، لأنّ الموضوع يتعلّق بإلزامه عمله لمحاسبته عليه ومجازاته .
أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
: أي أثبتنا مسؤوليّته عن عمله في عنقه إثباتا دائما ، يقال لغة : « ألزم الشّيء » أي : أثبته وأدامه . ويقال : « ألزم فلانا الشّيء » : أي : أثبت الشيء به إثباتا له صفة الدوام .
أطلق لفظ « طائر » على ما يكسبه الإنسان في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا ، من عمل جسديّ أو نفسيّ ، على سبيل الاستعارة .
لأنّ قدرة الإنسان على الكسب الإراديّ الظّاهر والباطن تكون حبيسة في ذاته ، كالطائر في القفص ، وحين يعمل الإنسان عمله الإرادي الّذي يحاسب عليه عند ربّه ، فإنّه يطير من ذاته الّتي هي قفصه ، فإذا طار لم يستطع إعادته إلى قفصه ، لكن تبقى مسؤوليّته عليه ، ملازمة له ، ما لم يغفرها اللّه أو يعف عنها ، بطائر آخر هو كسب حسن قد يمحو اللّه به أثر الكسب السّيّئ ، على قاعدة : « إنّ الحسنات يذهبن السّيّئات » .
وذكر لفظ « عنق » في عبارة
فِي عُنُقِهِ
كناية عن كلّ ذات نفسه ، وذلك لأنّ الأسير يوضع الغلّ في عنقه والمراد حبس ذاته عن الفرار ، وكذلك المجرم إذا أخذ وأريد قوده إلى سجنه أو عقابه .
وإعراب :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ
نظير :
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ
على ما ذكرت في آخر الدّرس السابق .
القضيّة الثانية : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
( 13 ) :