تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
دلّت هذه القضيّة على إحدى وسائل الإثبات الّتي تقدّم له يوم القيامة ، ليجري حسابه على كسبه الإراديّ في رحلة امتحانه ، وليجري فصل القضاء بشأنه ، محسنا كان أم مسيئا ، أخذا من واقع كتابه المسجّل عليه ، ثمّ تكون مجازاته تنفيذا لما قضى ربّه بشأنه . ولسنا ندري صفة هذا الكتاب ، لكنّه لا بدّ أن يشتمل على ما هو مطابق مطابقة تامّة لواقع حياته في الدنيا ، صورة وصوتا ونيّات ، وأعمالا نفسيّة باطنة ، كالكفر ، والحقد ، والحسد ، وإرادة الشّرّ ، في جانب السّيّئات ، وكذلك ما يقابلها في جانب الحسنات . يعطى الإنسان كتابه ، فإن كان من أهل اليمين فإنّه يعطاه من أمامه بيمينه ، وإن كان من أهل الشّمال فإنّه يعطاه بشماله من وراء ظهره ، فهو يلقاه حين يلقّاه من موظّفي التوزيع ، فيجده منشورا ، أي : مبسوطا أمام عينيه ، كصفحة واحدة يشاهد فيها سجلّ حياته كلّها ، إذ يلقاه منشورا . القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
( 14 ) . الحسيب : المحاسب الّذي يعدّ على من يحاسبه ما هو له ، وما هو عليه ، بحسب المقادير الدقيقة الّتي لا زيادة فيها ولا نقص . أي : وبعد أن يعطى كتابه المشتمل على صورة كاملة لحياته في رحلة امتحانه ، يقال له من قبل من سلّمه الكتاب من الملائكة ، إقرأ أنت كتابك ، وحاسب نفسك على ما كسبت بإرادتك في الحياة الدّنيا ، كفى بنفسك المفطورة على الصّدق والأمانة اليوم حسيبا على ذاتك ، بشأن ما قدّمت في رحلة امتحانك ، ولو جادل لسانك ، ولو كذبت وألقيت معاذيرك طامعا بأن تخفّف عن نفسك العذاب . بالجدال بالباطل ، إنّك في قرارة نفسك ستعترف بكلّ ما هو مسجّل عليك في كتابك ، أمّا ما هو لك من