المادّة الثانية : دلّت عليها عبارة :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 84 ) :
كان من المتبادر أن يقال : ومن جاء بالسّيّئة فله مثلها . فما الحكمة ممّا عدل إليه ممّا يتوهّم أنّه إطناب .
أقول : دلّت هذه العبارة المختارة في النّصّ على عدّة قضايا :
الأولى : نفي الزّيادة على المثل بأسلوب الحصر والقصر ، عن طريق النّفي والاستثناء .
الثانية : الإشعار باحتمال الغفران والعفو ، لأنّ نفي الزّيادة على المثل ، لا يدلّ على الجزاء بالمثل حتما ، بل إذا حصل الجزاء فلا تكون فيه زيادة على المثل ، وقد يحصل الغفران والعفو .
الثالثة : استعمال عبارة :
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
تدلّ على المطابقة التامّة بين السّيّئة وجزائها ، حتّى يقال في الجزاء هو عين العمل لشدّة المطابقة بينهما ، بخلاف التعبير بلفظ « مثل » أو نحوها ، فإنّها تحتمل الزّيادة ولو قليلا كما تحتمل النّقصان في فهم الناس لمعنى المماثلة بين شيئين ، لكنّ الجزاء الرّبّانيّ على السّيّئة إذا حصل فهو لا يزيد على المطابقة حتما .
الرّابعة : التّنصيص بعبارة كلّيّة عامّة ، على أنّ جميع الّذين عملوا السّيّئات ، لا يجزون إلّا ما كانوا يعملون ، فلا يزاد أحد منهم على ذلك .
وهذه القضايا الأربع لا تستفاد من عبارة : ومن جاء بالسّيّئة فله مثلها .
وجاء في القرآن بشأن الجزاء على السّيئة ما يلي :
( 1 )
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
( 160 ) الأنعام .
أي : فلا يجزى إذا جوزي جزاء كاملا إلّا مثلها .
( 2 )
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها . . .
( 27 ) يونس .
أي : إن جوزوا جزاء كاملا فجزاء سيّئة بمثلها .