ناصحيه بكلمة كفر بقضاء اللّه وقدره ومنّته عليه ، فقال لهم جاحدا نعمه :
إنّما أوتيت هذا الّذي أملكه مكافأة كونيّة لي على علم عندي بأسباب تحصيل الثّروات ، وحسن التّدبير والتّصرّف في اكتساب الأموال والمنافع واللّذّات والزّينات ومظاهر المجد والعظمة .
( 6 ) وإمعانا في تعاظمه واستكباره على قومه ، أراد أن يظهر لقومه بني إسرائيل ما هو فيه من غنى ومجد وعظمة وزينات من زينات الحياة الدّنيا ، فأعدّ لنفسه موكبا كبيرا محلّى بالزّينات ، فيه المراكب الّتي تجرّها الخيول على ما هو معتاد القصر الفرعوني ، وفيه الخدم والحشم والأعلام التزينيّة وغير ذلك من مظاهر العظمة بين النّاس ، وخرج يمرّ بهذا الموكب في طرقات أحياء ومساكن بني إسرائيل في مصر ، ولا بدّ أن يكون ذلك بإذن من القصر الفرعوني ، إذ فيه تقوية شأنه بين قومه .
فكان بنو إسرائيل في أحيائهم ومساكنهم وهو مارّ بموكبه الفخم في طرقاتهم فريقين :
الفريق الأول : فريق الدّهماء ، وهم عامّة النّاس وسوادهم الأكبر ، الّذين تغرّهم وتفتنهم مظاهر الحياة الدنيا وزيناتها ، ونفوسهم متعلّقة بها ، ولمّا رأى هؤلاء موكب قارون بعظمته وزيناته قالوا : يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ، إنّه لذو حظّ عظيم .
الفريق الثاني : القليلون الّذين أوتوا العلم الحقّ ، والبصيرة الواعية ، وقلوبهم ونفوسهم متعلّقة بالأخرة ، وثواب اللّه العظيم فيها .
وهؤلاء لمّا رأوا موكب قارون لم يغتروا به ، ولم يكترثوا له ، ورأوا أنّ ثواب اللّه يوم الدّين خير وأعظم وأبقى .
وسمع هؤلاء مقالة فريق الدّهماء فقالوا لهم : ويلكم من تمنّيكم أن تؤتوا مثل ما أوتي قارون ، ومن تصوّركم أنّه لذو حظّ عظيم ، اعلموا أنّ
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 465
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٦٥