نصرهم وأعطاهم قوّة ومنعة ، كان من الحكمة التّربويّة لهم ولغيرهم ، أن يذكّرهم اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه - بمنّته عليهم ، بأنّ آواهم آمنين في المدينة ، وأيّدهم بنصره ، ورزقهم من الطّيبات ، رغبة في أن يشكروه على ما امتنّ به عليهم ، فأنزل جلّ جلاله في العهد المدنيّ قوله في سورة ( الأنفال / 8 مصحف / 88 نزول ) . خطابا للذين آمنوا :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 26 ) .
قول اللّه عزّ وجلّ :
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
( 58 ) :
ذكّر اللّه عزّ وجلّ المعالجين الّذين قالوا للرسول : « إن نتّبعك يتخطّفنا النّاس » بأنّ كفرهم الّذي يستمسكون به خوفا من أن يتخطّفهم النّاس ، يعرّضهم لعقاب معجّل في الحياة الدّنيا من ربّهم ، وهو إهلاك جماعيّ شامل ، نظير الّذي أنزله بأهل قرى من قبلهم ، بسبب كفرهم ، وكبرهم ، وفجورهم ، واتّباعهم للأهواء والشهوات .
وشواهد هذ القرى المدمّرة ، الّتي أهلك اللّه كفّارها إهلاكا جماعيّا ، ظاهرة في مواضع متعدّدة من الأرض ، فتلك مساكنهم الّتي كانوا يسكنونها ، لم تسكن من بعدهم إلّا زمنا قليلا ، فلا يوجد من يحرصون على السّكنى فيها ، بل عادت فدخلت في ملك اللّه العامّ لكلّ شيء في كونه .
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ
: « كم » اسم ثنائي مبنيّ على السّكون ، يعبّر به عن عدد مبهم القدر والجنس ، فهو يحتاج إلى مميّز .
وكلمة « كم » هنا خيريّة تدلّ على عدد كثير ، ومميّزها
مِنْ قَرْيَةٍ
: