الإرادة ، لم يكن من حكمته أن يجعل أحدا منهم مجبورا بالفطرة على أن يكون مهديّا ، ولا أن يجعل أحدا منهم مجبورا بالفطرة على أن يكون ضالّا ، لأنّ هذا مناقض لوضع الناس في الحياة الدنيا موضع الامتحان المستلزم عقلا لحرّيّة الإرادة ، إذ بين الجبر وحرّيّة الإرادة تناقض واضح .
المعنى الثاني : إنّك لا تستطيع أن تحكم بالهداية لمن تحبّ ، لأنّ الحكم بالهداية أو الضّلالة هو للّه وحده لا شريك له ، ولا تملك من ربّك أن يحكم بهداية من تحبّ ، إن الحكم إلّا للّه ، وهو يحكم على من يشاء بالضّلالة ، ولمن يشاء بالهداية ، لكنّ مشيئته لا تفارق حكمته ، وليس من حكمته أن يحكم للضّالّ في واقع حاله بأنّه كان مهديّا ، ولا أن يحكم على ذي الهداية في واقع حاله بأنّه ضالّ ، بل من كان ضالّا في واقع حاله حكم عليه بأنّه ضالّ بمشيئته تعالى المطلقة الّتي لا تفارق حكمته ، ومن كان مهتديا في واقع حاله حكم له بالهداية ، بمشيئته المطلقة الّتي لا تفارق حكمته أيضا .
وبمقتضى هذا المعنى تكون عبارة :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
دالّة على معنى : أنّ الحكم بالهداية أو بالضّلالة هو للّه وحده ، وهو سبحانه يحكم بمشيئته المطلقة ، ولكنّ صفة مشيئته المطلقة لا تفارق صفة حكمته ، ولا تتناقض معها ولا تتعارض ، بل صفات اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه - متكاملات فيما بينها ، لا يمكن أن يكون بينها تناقض أو تضادّ ، وهذا من كمال صفات اللّه .
وتأتي عبارة :
. . وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
( 56 ) في الآية متمّمة لهذا المعنى الثاني ، أي : وهو أعلم بالمهتدين هداية حقيقيّة في باطن ما في نفوسهم وقلوبهم ، فهو يحكم بالهداية لمن يعلم من نفسه وقلبه أنّه مهتد ، ويحكم بالضّلالة على من يعلم من نفسه وقلبه أنّه ضالّ .
* * *