فالمعنى : وبعد مدّة متراخية نسبيّا ، ابتعد عن مكان البئر ، وأوى إلى ظلّ شجرة ذات ظلّ ، ليست قريبة من البئر بدليل فعل
تَوَلَّى
: أي : ابتعد ، وربّما أدبر أيضا ، أي : أعطى ظهره إلى جهة البئر ، وجعل وجهه في اتّجاه مساكن البلدة ، إذ لفظ
تَوَلَّى
يعطي أيضا معنى أدبر .
. . . فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
( 24 ) :
أي : فحين وصل إلى الشّجرة وجلس في ظلّها سأل ربّه قائلا : ربّ إنّي لما سبق أن أنزلت إليّ من النّجاة من الظالمين ، والوصول إلى ماء مدين ، والاستظلال آمنا في ظلّ هذه الشّجرة ، قد كنت فقيرا ، وفي هذا ثناء على اللّه بما أنزل إليه من خير تفضّلا منه وإنعاما ، وألمح بهذا الدّعاء إلى فقره إلى ما سينزل اللّه إليه من خير يترقّب توالي حصوله ، ومنه تأمين طعامه وسكنه ، وتزويجه من زوجة صالحة عفيفة شريفة تعفّه وتكون له سكنا .
الفقير : من كان ذا حاجة إلى شيء ما وهو غير واجد له .
وفي الكلام مطويّ يسهل إدراكه ، وهو أنّ المرأتين وصلتا إلى أبيهما وأخبرتاه خبر الرّجلّ الذي سقى لهما ، وليس هو من أهل مدين ، بل هو رجل غريب .
قول اللّه عزّ وجلّ :
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 25 ) :
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ
: أي : فعقب دعائه ربّه مباشرة ، وجد أنّ إحدى المرأتين قد وصلت إليه عائدة برسالة كلاميّة من أبيها ، ووجد أنّها تمشي مشيا رفيقا قد انضمّ بعضها إلى بعض ، فكأنّها على مطيّة