فكانت بداية دعوته لقومه مماثلة لبدايات دعوات سائر الرّسل عليهم السّلام لأقوامهم ، وهي الدّعوة إلى عبادة اللّه عزّ وجلّ وحده ، دون أن يشركوا بعبادته أحدا ما ، ولا شيئا ما .
لقد بدأهم بالأمر بعبادة اللّه وحده ، فدلّ هذا على أنّهم كانوا مشركين يعبدون أوثانا .
ومعلوم أنّ عبادة اللّه عزّ وجلّ هو الواجب الأوّل بعد الإيمان به ربّا لا شريك له في ربوبيّته ، وبعد إعلان الإسلام له ، وإعلان الحرص على طاعته .
وأوّل العبادة للّه عزّ وجلّ تكون بطاعته في فعل ما أمر بفعله ، وترك ما نهى عنه ، وتكون بدعائه لتحقيق المطالب ، ثم بالتقرّب إليه بمحابّه فعلا أو تركا .
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
: أي : ليس لكم في الواقع والحقيقة إله حقّ يصحّ عقلا أن يعبد إلّا اللّه وحده ، إذ هو الرّبّ الذي لا ربّ في الوجود سواه .
والعبادة من العبد لا يجوز أن تكون إلّا لمن هو ربّه حقّا ، وربوبيّته الدائمة المتصرّفة فيه توجب عليه عبادته وحده .
أمّا عبادة غير من هو ربّ حقّا فهي شرك به ، وهذا الشّرك في إلهيّته أوّل دركات الكفر به ، وأحطّ وأخسّ دركة منها دركة الإشراك بربوبيّته سبحانه ، ثمّ دركة جحود اللّه الرّبّ جحودا كلّيا ، وتزداد الدّركات تسفّلا بارتكاب جرائم البغي والظّلم والعدوان ، والفسق والفجور والفساد والنّفاق ، والدّعوة إلى الكفر وارتكاب الجرائم ، حتّى توصل أصحابها إلى الدّرك الأسفل من النار .
القضية الثانية : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لمعنى ما قاله صالح عليه السّلام لقومه :
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
: